فهرس الكتاب
... أعلم أنني حين أقدم المسألة على هذا النحو، أقوم بتجزئة العملية الإبداعية، وهو أمر مردود في حقيقة النشاط الفني، ولكننا حين نقف على خطاطات الرسم التي أنجزها الرسامون قبل اللوحة النهائية،نتفطن إلى كثير من العناصر، وقد تحركت من أمكنتها، أو تزحزحت إلى الخلفية، وتقدمت أخرى. وكثير من الظلال غابت، أو شعّ فيها النور.. ولو عُرضت علينا محاولة من المحاولات لسلمنا أنها اللوحة النهائية، ولما وجدنا فيها خللا. ولكن عين الفنان وجدت ما لم نجده، فقدمت وأخرت..إن عرض سلسلة المحاولات مرقمة تدريجيا إلى جنب اللوحة المنتهية هو أكبر درس في الفن تعجز عنه محاضرات النقاد. وهو الذي يؤكد حضور الوعي و سيطرته على الإبداع. (10)
... وعندما يلجأ الشاعر إلى التشخيص، لا يفعل ذلك طلبا لخلع الحياة على الجماد وحسب، وإنما لخلق صورة. لا يقف القصد عندها هي الأخرى، بل الصورة"تكتيل"تعبيري من نوع خاص، تتعامد فيه حركتان:
... ... الإيقاع ... ... ... النسق:
الدلالة المعنوية.
اللغة.
السياق:
الأبعاد. الإطار. الترابط ... ... الزاوية. ... التكامل.
... ... ... الظلال.
... ... ... الأسلوب.
... ... ... الإيحاء.
... ليس التعامد مجرد تقاطع بين نسق الصورة و سياقها الخاص، وإنما نريد من التعامد أن يحمل جملة العلاقات الناشئة من تقاطع كل العناصر فيما بينها. كأن نأخذ مثلا تقاطع الزاوية والإيحاء، مادامت الزاوية تحدد جهة النظر واتجاهه، والإيحاء يحدد الوجه الذي تعرضه الصورة للزاوية، وكلما تحرك محور الزاوية، تحرك معه لون الإيحاء. لذلك نحصل على سلسلة من الإيحاءات بمجرد أن نتحرك من نقطة إلى أخرى. ولا تنتهي العلاقة عند هذه الثنائية، بل ترتبط مع غيرها. فإذا أضفنا إليهما اللغة، أو الأسلوب، أخرجنا الإيحاء من حالة الكمون الغامض إلى حالة التعبير البيّن.وتتعدد التعابير بعدد النقاط المتحركة على محور الزاوية وحدها، فما بالنا بالعناصر جميعها دفعة واحدة!