فهرس الكتاب
... إن هذا الفهم يجعل الصورة عالما متحركا، تتعذر الإحاطة به كلية في جملته، لأنه خاضع من ناحية خارجية إلى المتلقي سنا، وثقافة، وعصرا، وذوقا.. وكلما عددت القراء فأنت تعدد عطائية الصورة، وقدرتها على التعبير. لذلك يجوز لنا أن نزعم الآن أن معنى الصورة يقع دوما خارجها، في نقطة ما على المسافة الفاصلة بين الصورة و التلقي.تلك المسافة يحدد طولها وقصرها عاملا الانفصال والاتصال اللذين أشرنا إليهما من قبل.
... قال"إلياس أبي شبكة":
إذا النور لوّنه في السحر
ومدّ عليه ظلال الحور
تراءى كطيف خلال الشجر
أتى من دياميسه ليزور
بقايا تلك البدور.
وحين يسيل اصفرار المغيب
على جانبيه بشكل كئيب
يبين كهيكل عظم مريب
أبى أن توسده في القبور
غداة تمرد أيدي الدهور.
... إن الشاعر لا يكتفي بصورة واحدة، إنه مسكون بشطر الطلل إلى نصفين.. ظلام ونور. لذلك يقدم صورتين متواليتين: يجعل الأولى قائمة على شرط"إذا"، ويجعل الثانية ملكا لدورة الزمن. ولا أحسب ذلك منه عبثا لغويا، و تلوينا في استعمال الأدوات.. وإذا نظرنا إليه من زاوية غلبة الظلام على النور في موضوع الطلل، تبين لنا أن الشرط الأول ضروري لبيان حقيقة الصورة. إنها لا تتحقق دائما، بل شريطة أن يغشاه النور. فإذا حدث ذلك، فلا نظن أن الظلام سيتراجع كلية، بل سيخفت وقعه إلى حين. فهو قابع في الجيوب لا يزال يلون أطرافها. و"ظلال الحور"خليط بياض وسواد، لأن النور والضياء لم يتحققا جهارا بعدُ. إنها زمنية السَّحَر، وغبش الضياء والظلام.