فهرس الكتاب
... ربما كان الشاعر الرومنسي لا يزال مأخوذا بأوقات خاصة من الليل والنهار، لها في نفسه الوقع الحزين، كما لها من فكره توالي الميلاد والموت. ساعة السحَر، وساعة المغيب. وهما الساعتان اللتان استأثرتا بالشعر الرومنسي لما فيهما من دلالة الكتابة والمحو، وتتساوى فيهما لذة الميلاد ولوعة الفراق. إن الطلل وهو يتلون بالنور، لا يغدو بيِّن القسمات، واضح المعالم، كما ننتظر من فعل الإضاءة والتلوين، وإنما يظل حبيس الطيف الذي يلمّ ليلا أو سحرا. خرج لتوِّه من دياميس الليل البهيم، ليطل إطلالة خفيفة على الذراري ثم يعود. إنها اللحظة"المشرقة"في وجه الطلل. يذرع فيها عالمه المجهول ليزور. وحين يأتي المغيب - وهو آت حتما، لا شرط للشاعر في ذلك - تبدأ حركة أخرى.
... كان"التلوين"علامة على الصورة الأولى، وفيه من لطافة المسح والرفق ما فيه. وصار"السيلان"شارة للثانية، وفيه من الشدة ما فيه. سيلان اصفرار كئيب يسيل على جانبيه. وهي حركة فيها كثير من القوة الدلالية التي تلاحقها العين، والاصفرار الكئيب يغمر المكان. يلطِّخه من كل ناحية.إنه اصفرار يتحول تدريجيا - حين يخالطه الغسق - إلى احمرار إلى سواد.. فعل الصديد و النجيع الذي يثع من الجرح الفاسد. ثم يختار الشاعر للمشخَّص لفظا جديدا يقابل ( تراءى) في الصورة الأولى، والذي يقدم بين يديه عدم اليقين.. قد يكون أو لا يكون.. إنه لفظ"يبين"وفيه من قوة الوضوح ما يجعل الصورة الثانية حقيقة واقعة لا خيالا. إن الشاعر يبصره الساعة هيكلا عظميا مريبا على الحقيقة، لا على سبيل المجاز.