فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 154

... عندما ندعي ذلك، ونرفض المجاز في الصورة الفنية، لا نفعل ذلك عبثا باللغة، وإنما نلجأ إلى واقعية"الذهول"- التي أشرنا إليها من قبل - فالذهول حالة ضبابية تتكسر فيها الحدود والمعالم، وتغيب المسافات، وتأخذ الأشكال أحجاما ليست لها أصالة. وما يشاهده الرائي في غمرة الذهول، ليس تخيُّلا - بمعنى التحويل الفني - ولكن حقيقة فنية، تغاير الحقيقة الواقعية. لأنها لا تنتمي إلى عالمها، ولا إلى مجالها.. مجال الأولى الشخوص، ومجال الثانية الذهول. والبصر بينهما في شؤون شتى. فإذا شخص البصر كان حديدا، وإذا ذهل كان غائما مائجا. والبيان الذي يتحدث عنه الشاعر بيان من نوع خاص.. إنه بيان الذهول، وحقيقته حقيقة الفن.

..."هيكل عظمي، يأبى أن يوسد التراب"ذلك هو الطلل في عين الشاعر الذاهلة. لقد عزلت العالم الخارجي عزلا تاما. ولم يعد أمامها سوى الطلل في صراعه مع الدهر..يأبى..يرفض، يتمرد. هل في ذلك تشبث بالحياة والبقاء ؟ هل هو مجرد عناد ؟ الفناء محبب عند الرومنسيين، لأنه آية خلاص وانعتاق. هل يجد الشاعر في عناد الطلل شكلا آخر من أشكال المين والزور ؟ شكلا آخر للكبرياء الكاذب، والتطاول المريب ؟ لو رضي بالقضاء لكان رمسا.. قبرا.. ولكن بقاءه يسجنه في هيئتين سجنا مؤبدا: هيئة الطيف المترائي، وهيئة الهيكل العظمي المريب."حجر سيزيف"أبدا يتدحرج ليعيد الكرة ! وأي شقاوة أكبر من عود أبدي لا رجاء فيه ولا طائل !

... إن"فكرة الشقاء والشقي"ما تزال حية، تمتد من الطلل إلى الواقف عليه، وكأن آية السحر تنطلي على الساحر، فيغدو مسحورا بدوره. وشقاوة الواقف في إثارة مثل هذه الصور الكئيبة. كذلك لم يكن الشعر الرومنسي ليمارس بلذة ومتعة، وإنما كان يُنتَزَعُ من الذات انتزاعا مؤلما، يبددها إربا إربا.وكأنه انتقام منها لأنها اختارت البوح بالمستور، وكشف المكنون.

د- فاعلية الازدواج:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت