فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 154

... إن خضوع الفكرة لهندسة العرض، أمر خطير في مجال المعنى. وإذا كنا نهمل العرض وهندسته، فإننا - حتما - سنهمل الشطر الفني الأكثر فاعلية وتأثيرا في البناء الفني العام للنص. لأن العرض الدقيق البارع قد يستر كثيرا من التخون و النقص الذي يعتري الفكرة. ألا ترى أن عرض السلع أدعى إلى إغراء المشتري، وحثه على الإقبال عليها ؟ إن اختيار الشاعر سبيل التقابل بين الصورتين: الإشراق والتعتيم. الظلام والنور، يخدم الفكرة التي أنشأها للطلل.

... قسم الشاعر حديث الصخور إلى قسمين، وبدأ وفقا لحتمية الزمن بالميلاد والازدهار. ثم أعقبه بالموت والاندثار، مؤكدا قضاء الدهر في الموجودات كلها، في أدق عناصرها، كما يشهده أجلها وجليلها. والجديد الذي يضاف إلى هذه الحقيقة لا يتصل بدورة الأفلاك والمقادير، بل يتصل بالمعاني المنبثقة عنها، والتي تجعل التجبر ينتهي إلى ذل، والفتح إلى هزيمة، والعبودية إلى تمرد، والأنس إلى فراق، والجمال إلى قبح، والقوة إلى ضعف.. وما أشنع أن نرى آية الصلابة والقوة ينخرها سوس ودود !وما أفظع أن نجد العطر يتحول إلى نتن. بيد أن للتحول أسراره. هل يحق لنا أن نطمع في استدامة الصلاح ؟ هل ذلك ممكن ؟ أم أن سلطان الفساد في استفحال مستمر.؟

... نظريا نعم ! إذا قطعنا دابر الفساد.. الفساد سم زعاف يدب في عروق الصلابة والمتانة. وإذا خنعنا، وقنعنا بالأذى والشرور، فقد حكمنا على الصلاح بالزوال.. ونكون"كشعب تخلى لأشراره"وعاقبة ذلك التخلي دمار يشبه دمار"سادوم"حين جعل الله عز وجل عاليها سافلها وأمطرها حجارة ونارا. لن يكون الدمار قضاء مبرما لا مفرّ منه مع الصلاح والاستقامة.. هناك منطقة وسطى بين هذا وذاك يتجاذبها على مرّ السنين شدّ وإرخاء، يمكن الحياة من الاستمرار. أما أن يترك الأمر لغير أهله، فذلك آذان بالزوال الوشيك. وذلك هو الدرس الرومنسي في موضوعة الطلل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت