فهرس الكتاب
... تبدو هندسة التركيب جلية بيّنة، عندما نراقب مقاييس مقولة الأسلوب: ( اختيار، تركيب، اتساع) ، لأن الإنشاء"الواعي"للنسق يفرض توزيعا للعناصر على مساحة محدودة ( الوزن الشعري، البحر) . فالشاعر يريد أن يعلل الاندفاع الكاسر الذي يرتاد الموت.. وفيه مفارقة أولية في لفظ"نرتاد"لما له من خلفية تعمرها البهجة والاكتشاف.فهو سياحة وريادة، غير أنها للموت و لقاء البارود.. ولا بدّ لهذا الفعل"الغريب"المفارق للعادة، من ميدان ( مكان) يناسبه طردا في غرابته ومفارقته أولا.. فإذا علمنا أنَّ الاندفاع كان من جبال"رهيبة شامخات"تحققنا أن المفارقة في"نرتاد"نشأت من لقائها بالجبال الرهيبة الشامخة، التي رفعت على ذراها بنود الجهاد، ومن"شعاب ممنعات". هذا الفضاء العالي/ العميق، الرهيب/ المنيع، لم يخلق بهذه الصفات إلاّ لأنّ"مبدع الكون"أراده أن يكون ميدانا للوغى والاحتراب.
... وإذا أعدنا توزيع"التركيب"توزيعا أسلوبيا، ألفينا الاختيار يقع في
( نرتاد، جبال رهيبة شامخات، شعاب ممنعات، براها مبدع الكون أخدودا) ومنه كان التركيب الواعي يقرن بين ( نرتاد المنايا، نلتقي البارودا، رفعنا على ذراها البنودا) . وكان المزج بين العناصر على المستوى الشعري، هو البناء الأخير للإبداع الفني، وقد غدت عناصره أكثر جاذبية، وأكثر قدرة على الإيحاء. وليس ارتياد المنايا يتحقق عقلا، إلاّ لأن مبدع الكون برا الجبال و الشعاب للجهاد والشجاعة.
... لقد أدرك الأسلوبيون أن التعامل مع المدلول بعد تحديد"الاختيار و التنظيم"لا يكون على مستوى"الاتساع"إلاّ ضربا من المقاربة الحدسية الباطنية، ذلك أن المدلول: »لا يقاس ولا يعدّل ولا يسجل، ولا نستطيع أن نحلله إلاّ بطريقة تقريبية مبهمة، مع أننا نتلقاه بشكل مباشر في تعقيده الخصب الهائل. ففي أبسط القصائد نجد المدلول عالما بأكمله. « (6)
3-الفضاء المعنوي، المرجعية والتاريخ: