فهرس الكتاب
تلعب الأطر المعرفية لموضوعة"الجبل"دورا بارزا في بناء هذه الأبيات، وخلق الاتساع في الدلالة من خلال نظام التحويل الرمزي واللغة المشخصة. لقد أدرك الشاعر أن الحديث عن بقاء الوطن بواسطة التقرير المجرد عملية لا ترقى إلى التعبير الفني الجمالي، فعدل عنه إلى التحويل الرمزي مرتكزا إلى إطارين معرفيين في ذات الوقت: إطار ديني، وآخر فني. بل يمكن إرجاعها إلى إطار ديني واحد..فالسؤال والاستفتاء.. مطلبهما المرجعي"ديني"الأول يطلب المعرفة، والثاني يطلب الفقه والفهم .بيد أن الموقف الفني يفرض علينا اختيار الإطار الفني لما فيه من مشابهة. فالجبال الشاهقات في ثباتها عبر الأزمنة المتطاولة، قد اكتسبت"معرفة"وخبرت الحوادث والأحوال، وقد رزقت فهما من صبرها ذاك. وهي في موقفها هذا تضارع"جبل ابن خفاجة"كأنه طوال الليالي مفكر في العواقب. فإذا سألناها عن"غضباتها"حدثتنا عنها منذ فجر التاريخ إلى يوم الناس هذا. وكذا الأمر إذا استفتيناها في بغي الإنسان وعدوانه، وأكل القوي للضعيف واستعباده.. إنها أحوال خبرتها من تعاقب الأجيال والحقب عليها.
... أما التحويل الثاني، في ( واخشع) فمشبع بحيثيات"قدسية". فإذا حولنا"اخشع"إلى"اخلع"لتبادر إلى أذهاننا موقف"موسى"- عليه السلام - بوادي طوى، وخلع النعلين. فقد لامست رجلا"موسى"- عليه السلام - تراب الوادي، وتلقى كلام الله - عز وجل - في خشوع ورهبة.. و يتحول المكان-هنا- إلى فضاء مقدس، لأن التراب قد تخضب بدم الشهادة، فلامس منها القداسة والطهر.. فهو معطر من دماء الشهداء الزكية.إن الموقف القديم يتوازى، أو يقف في خلفية حية وراء الموقف الجديد. وتكتنف الفضاء قداسة واحدة ذات مصدر واحد.