فهرس الكتاب
... إننا ندرك الآن أن الحقيقة المجردة وحدها لم تكن قادرة على حمل هذه الظلال القدسية، وبثها من خلال الكلمات. بيد أن اللغة المشخصة -كما أسماها"ريتشاردز"- تجعل ذلك ممكنا من خلال توزيع جديد للعناصر، وتحويل عبقري في خصائص الأشياء و المعاني. وكأننا نخلق المعاني الجديدة بخلق لغة جديدة. فالفن قادر على تخصيب:" الكلمة لتبلغ نماءها في حقل المجتمع معتمدا على الإحاطة باختلاجات الوجدان الجماعي، وهو يجعلها تتسرب داخل أسوار الذهول الفني محافظة على وعيها وتحديقها نحو قضايا العصر. « (9) عندها ندرك كيف تخدم وقفة"موسى"- عليه السلام - في جبل"الطور"وقفة أخرى في جبل"الونشريس"وقد تباعد الزمن قرونا متطاولة. ذلك هو تحديق اللفظة إلى قضايا العصر وهي تختزن في إطارها المعرفي أثرا حاسما في حياة البشرية قديما.
4 -المكان الزماني،النبوءة والوحي:
... تلقى موسى - عليه السلام - الوحي خاشعا بوادي"طوى"، وكلمه الله - عز وجل - تكليما. وكان ذلك أعلى درجات الوحي، أما"الإلهام"و"التبليغ"فأدناها مرتبة. وهي مصطلحات يحتفل بها الإطار الديني، لما فيها من صلة بين الله وعباده، إمّا نفثا في الروع، وإمّا تبليغا برسول، وإمّا تكليما من دون واسطة.. ولم تفت شاعرنا هذه الدرجات، فهو يقول مخاطبا"نوفمبر":
نوفمبر حدثنا عهدناك صادقا
ألست الذي ألهمت أحجارنا النطقا؟
ألست الذي كنت المسيح بأرضنا
وأشرقت من علياك تخلقنا خلقا؟
ألست الذي بلّغت شمّ جبالنا
قرار السما فاستصرخت تنسف الرقّا؟ ( 0 1)