فهرس الكتاب
... إن الشاعر في حاجة -دوما -إلى تخطي حدود السائد المألوف في فنه.فهو لا يركن إلى الواقعي الصرف، إلاّ بقدر ريثما يؤمّن لنفسه منطلقا أو مرتكزا، ثم يقفز بعد ذلك إلى أجواء الاستعارة محلقا بعدة أجنحة. آملا أن يقفز وراءه المتلقي مترسما خطاه. وينشأهذا التجانس بين الشاعر والمتلقي بناء على أمل يسكن كل شاعر في قدرة متلقيه تتبع الظلال الهاربة وراء الإيحاءات والإشارات. فالشاعر لايقول كلّ شيء، وإن كان يرغب - -من أعماقه-أن يقول كل شيء. بيد أن حدود الفن المكانية والزمانية تحول دون ذلك. ولا يبقى أمام الشاعر غير ذلك"التواطؤ""complicite"بينه وبين المتلقي ليمرر من خلاله تيار التداعي والإحالة المرجعية. وإذا أحس الشاعر أن"الوتيرة"قد ضبطت راح يغرق في عتمات المعنى أكثر فأكثر، وتلفع شعره بالغموض والرمز.
..."نوفمبر عهدناك صادقا"ذلك حظ"الواقعي"من النص. فإذا كان صادقا، فمعناه أن مصدر معرفته"علوي"لايشوبه شك.لأنه هو الذي"ألهم"، وهو الذي"أشرق"، وهو الذي"بلغ". فإذا كان الإلهام يتأتى على شكل نفخ في الروع، أو في شكل استعداد فطري، يجده الملهم في ذاته كامنا، فيصدر عنه في شكل نزوع غريزي محض، كسلوك الحشرات والحيوانات والإنسان في بعض مواقفه، فإن"الإشراق"لون من الفيض يشع في كل خلايا الوجود، يملؤها إحساسا وحياة ومعرفة. وقد اعتقد المتصوفة أن حضور الله - عز وجل - في ملكوته يحدث على هذه الشاكلة من التجلي. أما التبليغ فلا يكون إلاّ جهرا.
... فإذا تملينا"الحركات"الثلاث وجدناها تنطلق من إدراك حدسي باطني ذاتي لا يخص إلاّ الذات الملهمة وحدها دون سواها من الذوات، وكأن أحجار الجبال تجد في قرارتها إرادة التعبير عن الجهاد والمقاومة، ثم يأتي"الإشراق"فيعم كل عناصر الوجود، يبعث فيها الحياة، غير أن الإشراق يظل-وإن عمّ-أمرا سريا يدب دبيبا، بينما يكون"التبليغ"وحده إعلانا جهوريا يملأ السماء و الأرض نداء.