فهرس الكتاب
... يزعم"سارتر""SARTRE"أن العمل الفني مهما بدا منتهيا، فهو ليس كذلك، بل يحتاج إلى من يكمله، بل يحتاج دوما إلى من يكمله.وهو في أثناء هذه العملية لا يمل من الاستزادة، كلما قلنا له هل اكتفيت قال هل من مزيد:" وقد سأل رسام مبتدئ أستاذه قائلا: متى أعدّ اللوحة من لوحات رسمي كاملة؟ فأجابه الأستاذ قائلا: في الوقت الذي تستطيع النظر إليها دهشا قائلا في نفسك: أنا الذي فعلت هذا؟ (11) كما أدرك النقد الحديث أن حقيقة النص الأدبي تتخطى حدود الورقة المكتوبة ، إذ لم يعد النص إلاّ حاملا"كاليغرافيا"باردا، مشحونا بالرموز الخطية. ولم يعد النص محمول تلك الرموز في منطوقها الصوتي، بل غدا"شيئا"آخر يقع على مسافة ما بين الكاتب والمتلقي. وهو"شيء"قد تخلق من نطفة أمشاج بين هذا و ذاك، والمعرفة المحايثة التي تحتضنهما. وكلما تجدد الطرفان و الوسط تجدد النص"الافتراضي""TEXTE VIRTUEL"وتحوّل. وعندما نقرأ ل"مفدي زكرياء"قوله:
ورثنا عصا موسى فجدّد صنعها
حجانا فراحت تلقف النار لا السحرا
وكلّم الله موسى في الطور خفية
وفي الأطلس الجبار كلمنا جهرا
وأنطق عيسى الإنس بعد وفاتهم
فألهمنا في الحرب أن ننطق الصخرا. (12)
... يقف الشاعر بين معجزتين يكتنفهما"المكان":"الطور"و"الأطلس الجبار". في الطور عرف موسى - عليه السلام - القدرة العجيبة التي أودعها الله - عز وجل - في عصاه. بيد أن الشاعر لا يريد نقل المعجزة الإلهية بكليتها - -وأنى له ذلك-بل يحولها على طريقة الفن ومنهجه، من خلال التحويل الرمزي، وينسب ذلك إلى الحجا، إشارة إلى تدبير قادة الثورة وعبقرية الشعب حين غدت"عصيهم"تلقف النار بدل السحر. فالمكان هو الذي أتاح تحويل وظيفة العصا مجازا ورمزا. والمكان هو الذي أتاح تحويل التكليم من الخفية إلى الجهر. لأن الله - عز وجل - انفرد بموسى - عليه السلام - في الطور، وهو هنا يخاطب شعبا مجاهدا بأكمله.