فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 50

علاج العجز

ينبغي أن يُعلَم أن العجز مرض، بل هو أشد الأمراض فتكًا في الإنسان، وعلاجه إنما يكون بسؤال الله تعالى ودعائه بانكسار وخضوع وتذلل عسى أن يكشف الله تعالى هذا المرض عن عبده الضعيف هذا، ثم إنه ينبغي للعاجز أن يتخذ خطوات عملية بحسب عجزه، فمن الناس من يعاني عجزًا في الجانب الإيماني، ومنهم من يعاني عجزًا في الجانب الثقافي، ومنهم من يكابد عجزًا فكريًا، ومن الناس من يجمع بين ذلك كله.

وهاك بعض الأمور المساعدة على تخطي العجز بعامة، ثم اخص بعض أنواع العجز بعلاج محدد لكل منها.

ولقد حرصت على أن يكون ما أورده عمليًا قابلًا للتطبيق؛ إذ الناس قد ملوا الطرح النظري والمواعظ المجردة والله الموفق:

أولًا / القراءة المستمرة في كتب التراجم:

وهي التي تُعنى بسير حياة الأشخاص الأعلام المؤثرين في مجتمعاتهم تأثيرًا تجاوز حدود الزمان والمكان، وتلك القراءة ترياق مجرب في مسألة العجز هذه؛ إذ أن كثيرًا من الناس تتغير أحوالهم ويتخطون عجزهم بالاطلاع على سير العظماء والأكابر، خاصة سيرَ السلف الصالح الأوائل الذين ضربوا أعظم الأمثلة في التضحية والعبادة والزهد والجهاد والإنفاق وغيرها، وكانوا بحق شامة الناس ومقدمي الأمم، والاطلاع على هذه السير يورث المرء حماسًا عظيمًا محاولة منه للحاق بركب أولئك الأكابر الأعاظم:

فتشبهوا بالقوم إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكِرامِ فلاحُ

واسمع إلى حوادثٍ ثلاث تنبئك عما أعني وأريد:

قال ابن القاسم [1] - رحمه الله تعالى:"كنت آتي مالكًا غلسًا [2] ، فأسأله عن مسألتين، ثلاثة، أربعة، وكنت أجد منه انشراح الصدر، فكنت آتي كل سحر، فتوسدت مرة في عتبته فغلبتني عيني فنمت، وخرج مالك إلى المسجد فلم أشعر به، فركضتني سوداء له [3] برجلها وقالت لي: إن مولاك [4] لا يغفل كما تغفل أنت، اليوم له تسع وأربعون سنة ما صلى الصبح إلا بوضوء العَتَمة [5] " [6] .

وهذا خبر عظيم، أي أن مالكًا - رحمه الله - ما انتقض وضوؤه قط طيلة نصف قرن مِن العِشاء إلى الفجر، وهذا يعم ليالي الشتاء الطويلة، ومعنى هذا أنه راضَ نفسه على قلة الطعام والشراب طيلة اليوم

(1) أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسِم بن خالد، مولى زيد بن الحارث، أصله من فلسطين وسكن مصر، أثنى عليه الفضلاء ثناءً عظيمًا، وكان مِ، كبار المصريين وفقهائهم، زاهدًا، عابدًا، توفي بمصر سنة 191 رحمه الله تعالى، انظر ترجمته مفصلة في (ترتيب المدارك) : 3/ 244 - 261.

(2) أي قبل الفجر.

(3) أي جاريته.

(4) ظنته الجارية أن عبد لمالك من كثرة ترداده عليه، وبسبب لونه الداكن.

(5) أي العِشاء.

(6) (ترتيب المدارك) : 3/ 250.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت