فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 50

حتى يتمكن مِن المحافظة على وضوئه، فلله دَرُّه. وقد روي قريب مِن هذا عن كثير من السلف - رضي الله عنهم - حتى لا يسارَع إلى إنكار مثل هذا الخبر.

وقال أحد السلف:"قمت ليلة سحرًا [1] لآخذ النَّوبة [2] على ابن الأخرم [3] ، فوجدت قد سبقني ثلاثون قارئًا، ولم تدركني النوبة إلى العصر" [4] .

وكم سيقرأ هذا الذي لم تدركه النبوة إلى العصر، إنه سيقرأ ربعًا على الأكثر - أي صفحتين ونيفًا كما جرت عادة مشايخ القرآن - فانظروا إلى صبره العظيم ليقرأ صفحتين مِن القرآن، من قبل الفجر إلى العصر، والأعجب من ذلك أنه طرق بيت الشيخ قبل الفجر فوجد ثلاثين قارئًا قد سبقوه، فمتى جاء هؤلاء! وكم يصبر الشيخ على إقرائهم! لله درُّهم ما أعظمهم.

وقال الإمام عيسى بن موسى الهاشمي - رحمه الله:"مكثت ثلاثين سنة أشتهي أن أشارك العامة في أكل هريس السوق فلا أقدر على ذلك لأجل البكور إلى سماع الحديث" [5] .

فهل سمعتم برجل يدفع شهوة الطعام عن نفسه ثلاثين سنة، إنّا - اليوم - لو أخرناها ثلاثين يومًا لظننا انا قد صنعنا شيئًا عظيمًا، فيا حسرةً علينا وعلى تقصيرنا.

بقراءة هذه الحوادث الآنفة الذِكر وأمثالها يحيا قلب الإنسان، ويستصغر نفسه، ويذهب لينفي العجز عنه وينفض غبار التواني الذي تراكم سنين طوالًا.

يقول الإمام ابن الجوزي [6] - رحمه الله -"أعوذ بالله مِن سِيَر هؤلاء الذين نعاشرهم، لا نرى فيهم ذا همة عالية فيقتدي بها المبتدي، ولا صاحب ورع فيستفيد منه المتزهد [7] ، فالله الله، وعليكم بملاحظة سِيَر القوم ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤيةً له ..."

ولو قلت إني قد طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر ... فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم وقدر هممهم، وحفظهم، وعبادتهم، وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطلع، فصرت أستزري ما الناس فيه، وأحتقر همم الطلاب، ولله الحمد" [8] ."

وقد يقول القائل: هل من أمثلة معاصرة قريبة منا تخطت عوائق مقاربة لعوائقنا وارتفعت عن أحوال مجتمعات شبيهة بمجتمعاتنا، والجواب هو أن الله تعالى نصب في كل عصر ومصر قدوات يرحم بها الناس ويشد أزرهم بها، لكني أوردت قدوات من السلف لعظم أحوالهم وقوة إيمانهم وصبرهم وتحملهم.

وفي القرن الرابع عشر قدوات نصبوا أنفسهم لخدمة الإسلام ونصرة الدين، وضربوا أعظم الأمثلة في التضحية والفداء والهمة والعمل الصالح يحسن بالدعاة الثقات الرجوع إلى سيرتهم حتى يعرفوا كيف ارتفع أولئك على أهل عصرهم، وكيف غيروا مجرى التاريخ [9] .

ثانيًا / الزيارة لأهل الصلاح أولي الهمم العالية:

إذ الإنسان إن رأى قرْنًا له يفوق في عبادته أو زهده أو جهاده أو ثقافته فإنه يتأثر به غالبًا، وهذه طبيعة النفس الإنسانية، فليس أحسن من زيارة أمثال أولئك، إذ يورثونك زهدهم وعبادتهم وجهادهم، لذلك كان

(1) قبل الفجر.

(2) أي ليقرأ القرآن، وكانوا يصطّفون عند المشايخ ويقرأ الأول قدومًا فالأول.

(3) مقرئ دمشق العلامة أبو الحسن محمد بن النضر بن مر الرَبَعي الدمشقي، توفي سنة 341، وقد عاش 81 سنة، انظر أخباره في (سير أعلام النبلاء) : 15/ 564 - 566.

(4) (نزهة الفضلاء) : 2/ 1145.

(5) (ذيل طبقات الحنابلة) : 1/ 298.

(6) هو الشيخ الإمام العلامة الحافظ المفسّر أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد، ينتهي نسبه إلى القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، ولد سنة 510 ببغداد، وسمع من مشايخ كثيرين، كان رأسًا في التذكير والوعظ بلا مدافعة، صنف مصنفات كثيرة في بعضها أوهام وأخطاء بسبب عدم التحرير والمراجعة، له حِكم وأقوال كثيرة، توفي ببغداد سنة 597، انظر (سير أعلام النبلاء) :21/ 365 - 384.

(7) يقول هذا عن زمانه فكيف لو رأى زماننا؟!

(8) (قيمة الزمن عند العلماء) : 31.

(9) انظر كتاب (النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين) للدكتور محمد رجب البيومي، وكتاب (الموسوعة الحركية) للأستاذ فتحي يكن، واقرأ كذلك مذكرات العظماء كالصواف وابنّا والطنطاوي وغيرهم مِن المجاهدين، واقرأ كتب الجهاد المعاصر في أفغانستان - قبل الفتنة والشيشيان، والبوسنة واقرأ كذلك آمال المصلحين وأعمالهم في كتبهم ورسائلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت