فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 50

الصحابة - رضي الله عنهم - خير جيل أُخرج للناس قاطبة؛ وذلك لأنهم صاحبوا خير رسول أرسل للبشر - صلى الله عليه وسلم -.

قال الإمام الشاطبي [1] :"التأسي بالأفعال - بالنسبة لمن يُعظم في الناس - سر مبثوث في طباع البشر، لا يقدرون على الانفكاك عنه بوجه ولا بحال، ولاسيما عند الاعتياد والتكرار" [2] .

قال أحد السلف:"كنت إذا وجدت من قلبي قسوة غدوت فنظرت إلى وجه محمد بن واسع [3] ، كان كأنه ثكلى [4] " [5] .

وقال ابن المبارك:"كنت إذا نظرت إلى الفُضيل [6] جدد لي الحزن ومقتُّ نفسي، ثم بكى" [7] .

وهؤلاء المذكورون مِن كبار السلف وأعاظمهم وزهادهم فلا غَرْوَ أن تقع رؤيتهم وزيارتهم موقعًا في القلب لا مزيد عليه، ولكنا اليوم لا نعرف - والله - من نزور من أمثال هؤلاء أو من يقاربهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن المرء يسدد ويقارب ويزور من يظن أنه تنفعه رؤيته، ويلين قلبه لما يرى من حاله، والله الموفق.

ثالثًا / فهم مهمة الإنسان في الحياة الدنيا:

الله تبارك وتعالى خلق الإنسان وأبرزه إلى الوجود لحكمة عظيمة بيّنها الله تعالى بقوله {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [8] .

فمهمة الإنسان - إذن - تعبيد نفسه وغيره لله تبارك وتعالى، فإذا كانت مهمته ثم تخلف عن السعي إلى تحقيقها وجعلها واقعًا في دنيا الناس فقد فرّط تفريطًا عظيمًا وأساء إساءة كبيرة.

قال الأستاذ سيد قطب - رحمه الله - في تفسير هذه الآية:"فإن هذا النص الصغير ليحتوي حقيقة ضخمة هائلة، من أضخم الحقائق الكونية التي لا تستقيم حياة البشر في الأرض بدون إدراكها واستيقانها، سواءًا كانت حياة فرد أم جماعة، أم حياة الإنسانية كلها في جميع أدوارها وأعصارها."

وإنه ليفتح جوانب وزوايا متعددة من المعاني والمرامي، تندرج كلها تحت هذه الحقيقة الضخمة، التي تعد حجر الأساس الذي تقوم عليه الحياة.

وأول جانب من جوانب هذه الحقيقة أن هنالك غاية معينة لوجود الجن والإنس تتمثل في وظيفة مَن قام بها وأداها فقد حقق غاية وجوده، ومن قصّر فيها أو نكل عنها فقد أبطل غاية وجوده، وأصبح بلا وظيفة، وباتت حياته فارغة من القصد، خاوية من معناها الأصيل، الذي تستمد منه قيمتها الأولى، وقد انفلت من الناموس الذي خرج به إلى الوجود، وانتهى إلى الضياع المطلق، الذي يصيب كل كائن ينفلت من ناموس الوجود، الذي يربطه ويحفظه ويكفل له البقاء.

(1) هو الإمام الكبير إبراهيم بن موسى بن محمد اللَّخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، كان مِن أئمة المالكية، وله عدة مصنفات، توفي سنة 790، رحمه الله. انظر (الأعلام) : 1/ 75.

(2) (مقومات الداعية الناجح) : 27، وقد نقله عن (الموافقات) : 4/ 248.

(3) الإمام الرباني القدوة الزاهد، أبو بكر الأزدي، أحد أعلام التابعين، توفي سنة 123 رحمه الله، انظر أخباره في (سير أعلام النبلاء) : 6/ 119 - 123.

(4) الثكلى من فقدت ولدها.

(5) (نزهة الفضلاء) : 1/ 526. .

(6) الفضيل بن عياض بن مسعود، الإمام القدوة الثبت، شيخ الإسلام، أبو علي التميمي اليربوعي الخراساني، توفي سنة 186. انظر أخباره في سير (سير أعلام النبلاء) : 8/ 421 - 442.

(7) (نزهة الفضلاء) : 2/ 666.

(8) سورة الذاريات: آية 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت