فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 50

هذه الوظيفة المعينة التي تربط الجن والإنس بناموس الوجود، هي العبادة لله، أو هي العبودية لله، أن يكون هناك عبد ورب: عبد يعبده، ورب يُعبَد، وأن تستقيم حياة العبد كلها على أساس هذا الاعتبار.

ومن ثم يبرز الجانب الآخر لتلك الحقيقة الضخمة، ويتبين أن مدلول العبادة لا بد أن يكون أوسع وأشمل من مجرد إقامة الشعائر، والله لا يكلفهم هذا، وهو يكلفهم ألوانًا أخرى من النشاط التي يكلفها الجن؛ ولكننا نعرف حدود النشاط المطلوب من الإنسان.

نعرفها من القرآن من قول الله تعالى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [1] فهي الخلافة في الأرض إذْنُ عمل هذا الكائن الإنساني، وهي تقتضي ألوانًا من النشاط الحيوي في عمارة الأرض، والتعرف وطاقاتها وذخائره وكنوناتها، وتحقق إرادة الله في استخدامها وتنميتها وترقية الحياة فيها، كما تقتضي الخلافة القيام على شريعة الله في الأرض لتحقيق المنهج الإلهي الذي يتناسق مع الناموس الكوني العام ...

عندئذ يعيش الإنسان في هذه الأرض شاعرًا انه هنا للقيام بوظيفة مِن قِبل الله تعالى جاء لينهض بها فترة، طاعة لله وعبادة لا أربَ له هو فيها، ولا غاية له من ورائها إلا الطاعة، وجزاؤها الذي يجده في نفسه من طمأنينة ورضا عن وضعه وعمله، ومن أنس يرضى الله عنه، ورعايته له، ثم يجده في الآخرة تكريمًا ونعيمًا وفضلًا عظيمًا.

وعندئذ يكون قد فر إلى الله حقًا، يكون قد فر من أوهاق هذه الأرض وجواذبها المعوقة ومغرياتها الملفتة، ويكون قد تحرر بهذا الفرار، تحرر حقيقة من الأوهاق والأثقال، وخلص لله، واستقر في الوضع الكوني الأصيل: عبدًا لله، خلقه الله لعبادته، وقام بما خلق له، وحقق غاية وجوده، فمن مقتضيات استقرار معنى العبادة أن يقوم بالخلافة في الأرض، وينهض بتكاليفها، ويحقق أقصى ثمراتها؛ وهو في الوقت ذاته نافض يديه منها، خالص القلب من جواذبها ومغرياتها؛ ذلك أنه لم ينهض بالخلافة ويحقق ثمراتها لذاته هو ولا لذاتها، ولكن تحقيق معنى العبادة فيها، ثم الفرار إلى الله منها!.

ومن مقتضياته كذلك أن تصبح قيمة الأعمال في النفس مستمدة من بواعثها لا من نتائجها.

فلتكن النتائج ما تكون، فالإنسان غير معلق بهذه النتائج، إنما هو معلق بأداء العبادة في القيام بهذه الأعمال؛ ولأن جزاءه ليس في نتائجها، إنما جزاؤه في العبادة التي أداها.

ومن ثم يتغير موقف الإنسان تغيرًا كاملًا تجاه الواجبات والتكاليف والأعمال، فينظر فيها كلها إلى معنى العبادة الكامن فيها، ومتى حقق هذا المعنى انتهت مهمته وتحققت غايته، ولتكن النتائج ما تكون بعد ذلك، فهذه النتائج ليست داخلة في واجبه ولا في حسابه، وليس من شأنه، إنما هو قدر الله ومشيئته، وهو وجهده ونيته وعمله جانب من قَدر الله ومشيئته.

ومتى نفض الإنسان عن قلبه من نتائج العمل والجهد، وشعر انه اخذ نصيبه، وضمن جزاءه، بمجرد تحقق معنى العبادة في الباعث على العمل والجهد، فلن تبقى في قلبه حينئذ بقية من الأطماع التي تدعو إلى التكالب والخصام على ا'راض هذه الحياة، فهو من جانب يبذل أقصى ما يملك من الجهد والطاقة في الخلافة والنهوض بالتكاليف، ومن جانب ينفض ي

ه وقلبه من التعلق بأعراض هذه الأرض وثمرات هذا النشاط، فقد حقق هذه الثمرات ليحقق معنى العبادة فيها لا ليحصل عليها ويحتجزها لذاته ...

ثم يستمتع العبد براحة الضمير وطمأنينة النفس وصلاح البال في جميع الأحوال، سواءًا رأى ثمرة عمله أم لم يرها، تحققت كما قدرها أم على عكس ما قدرها، فهو قد أنهى عمله، وضمن جزاءه عند تحقق معنى العبادة واستراح، وما يقع بعد ذلك خارج عن حدود وظيفته، وقد علم أنه عبد، فلم يعد يتجاوز بمشاعره ولا بمطالبه حدود العبد، وعلم أن الله رب، فلم يعد يقتحم فيما هو من شؤون الرب، واستقرت مشاعره عند هذا الحد ورضي الله عنه ورضي هو عن الله.

(1) سورة البقرة: آية 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت