فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 50

وهكذا تتجلى جوانب من تلك الحقيقة الضخمة الهائلة، التي تقررها آية واحدة قصيرة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [1] ، وهي حقيقة بأن تغيّر وجه الحياة كلها عندما تستقر حقًا في الضمير" [2] ."

وقال الأستاذ سيد موضحًا عظم الإسلام وأنه يجب على الثقات أن ينشروه ويجعلوا ذلك هدفًا لهم:"إن المؤمن هو الأعلى، الأعلى سندًا ومصدرًا، فما تكون الأرض كلها؟ وما يكون الناس؟ وما تكون القيم السائدة في الأرض؟ والاعتبارات الشائعة عند الناس؟ وهو من الله يتلقى و على الله يرجع وعلى منهجه يسير."

وهو الأعلى إدراكًا وتصورًا لحقيقة وجوده ...

وهو الأعلى تصورًا للقيم والموازين التي توزن بها الحياة والأحداث والأشياء والأشخاص ... وهو الأعلى ضميرًا وشعورًا وخلقًا وسلوكًا ... وهو الأعلى شريعةً ونظامًا ... وسينظر إلى البشرية الضالة مِن علو في عطف وإشفاق على بؤسها وشقوتها ..." [3] ."

ثم إذا كان المؤمن كذلك فما هو هدفه إذن:

"ينظر إليهم من علو في كرامة واعتزاز، وفي رحمةٍ كذلك وعطف، ورغبةٍ في هدايتهم إلى الخير الذي معه، ورفعهم إلى الأفق الذي يعيش فيه ..."

وينظر المؤمن من علو إلى الباطل المنتفش، وإلى الجموع المخدوعة فلا يهُن ولا يحزن، ولا ينقص إصراره على الحق الذي معه، وثباته على النهج الذي يتبعه، ولا تضعف رغبته كذلك في هداية الضالين والمخدوعين ... إنما هو الجهد والمشقة والجهاد والاستشهاد ..." [4] ."

وإذا كان الأستاذ سيد رحمه الله تعالى قد وضّح مهمة الإنسان في تعبيد الناس لله، فإن الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - قد وضّح مهمة الإنسان في ضبط نفسه وتصحيح عمله وعبادته، فقد سأله أحد أصحابه،"كيف أصبحت؟ قال: كيف أصبح من ربه يطالبه بأداء الفرائض، ونبيّه يطالبه بأداء السُنّة، والملكان يُطالبانه بتصحيح العمل، ونفسه تطالبه بهواها، وإبليس يطالبه بالفحشاء، وملك الموت يراقب قبض روحه، وعياله يطالبونه بالنفقة؟!" [5] .

رابعًا / العزيمة والإصرار على مجاوزة العجز:

وذلك لأن المرء إن لم يكن عنده عزيمة وإصرار على مجاوزة عجزه فإنه يراوح مكانه ولا يتقدم أبدًا، وقد قيل:"ما لزم أحد الدَعَة [6] إلا ذلّ، وحب الهوينا يكسب الذل، وحب الكفاية [7] مفتاح العجز" [8] .

ومن كان يملك عزيمةً وإصرارًا على تجاوز عجزه فإنه سينجح - بإذن الله تعالى - ويجوّز تلك القنطرة النفسية الصعبة، العزيمة قوة باطنة تدفع بصاحبها إلى تحقيق ما لم يظن أنه قادر على تحقيقه.

و لا بد من التدرب على جعل هذه العزيمة فعلًا واقعًا في دنيا الناس"فالنفس بحاجة إلى تمارين مستمرة وتدريب لا يتوقف ... تدرب تدريبًا على مراس البطولة وأعمال البطولة، على الجد والاجتهاد، على التفكير والتأمل، على البحث والرويّة، على التقرير والمضيّ فيما تقرر، ومهما تكن إرادتك هزيلة رجراجة جازعة لا تلبث إذ تدربها أن تقوى وتشتد، وتفرض نفسها عليك لتفرض نفسك على الحياة والأحياء من بعده" [9] .

(1) سورة الذاريات: آية 56.

(2) (في ظلال القرآن) : 6/ 3387 - 3389.

(3) (معالم في الطريق) : 180 - 182.

(4) المصدر السابق: 184 - 186.

(5) (نزهة الفضلاء) : 2/ 930.

(6) الدعة: الراحة.

(7) أي حب الاكتفاء بما عليه الإنسان وعدم الرغبة في الارتقاء.

(8) (محاضرات الأدباء) : 1/ 448.

(9) (الشخصية الناجحة) : 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت