فهرس الكتاب
أولًا / العجز الإيماني:
الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، لكن كثيرًا من الثقات يشتكون أن إيمانهم في نقص دائم، وأنهم لا يجدون سبيلًا إلى الوصول إلى درجات عالية في الجوانب الإيمانية المخالفة خاصةً أنهم يقرؤون في كتب السير عن حياة السلف وكيف كانت عامرةً بالإيمان واليقين، فيتولد عندهم إحباط متكرر بسبب البون الشاسع بين ما يقرؤونه وبين ما يجدونه في أنفسهم، ويظلون يتساءلون عن السبيل لحل هذا الإشكال.
وأرى - والله اعلم - أن عرض وسائل علاج عملية - أي قابلة للتحقيق في عصرنا هذا - هو الحل الأنجع في هذه الأحوال، ولذلك سأورِد بعض الوسائل القائمة على تجارب مستقاة من عمل آخرين أرفعَ قدرًا وأعظمَ إيمانًا، وهي في الوقت نفسه ممكنة التطبيق في عصرنا هذا بكل ما فيه من تعقيدات، إن شاء الله تعالى، لكن قبل هذا يجب أن يُعلَم الآتي:
"أن احتمال ظهور نماذج تقابل نماذج السلف ممكن لكنهم لن يكونوا إلا قلائل، ويجب أن نوقن أن الله شاء ذلك وأراده وكتب علينا أن نكون أقل استمتاعًا بجمال الإسلام عما كان عليه السلف؛ فإن خيرية الأجيال في تناقص وتقلص مستمر، وإن القدر قد جعل المنافسة في الآخر للأول مستحيلة لكنها المقاربة والتسديد من غير أن يدب إلى نفوسنا يأس في حيازة بعضنا لما حازته أجيال السلف مِن المكارم" [1] .
"إننا الآن في فترة اجتماعية وسياسية ميزتها التراجع والتدهور ... وجيل المسلمين الحاضر يعيش فترة تراجع شديد ... تولّد عنه فراغ ... وفي مثل هذا الفراغ يضمحل الحماس ... وهذا ما يعطي من باب آخَر شبه عذر نعتذر به لجيلنا الحاضر في تخلفه عن بلوغ الدرجات العالية وقصوره عن منازل السلف ..."
فلا نسرف في اتهام أنفسنا بأنواع الضعف، وأن نوقن أننا على خير وفير كثير إن شاء الله وبفض منه ومِنّة ..." [2] ."
وسائل عملية لعلاج العجز الإيماني:
أ: المحافظة على أداء الفرائض:
وقد يقول قائل ما لنا ولهذا؟! إذ من أول أولويات الثقة أداء الفرائض، لكني إنما أريد بأداء الفرائض أداءها على وِفق ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث الشريفة أو قريبًا من ذلك؛ إذ الصلاة - على سبيل المثال- التي نتحسر على تضييع سننها وتطوعاتها لا تؤدي فرائضها كما ينبغي، فإن أدينا الفرائض كما ينبغي التفتنا عندئذ إلى سننها وتطوعاتها المقيدة والمطلقة.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم: [لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا] [3] .
إذن يجب على المسلم إن سمع النداء أن يبادر إلى الإجابة حتى يدرك الصف الأول ويدرك السنة والتكبيرة الأولى، وهذا يقصر فيه كثير من الثقات ثم إنهم يشكون من ضعفهم في التطوعات وقيام الليل، فكيف يقوم الليل من لا يحرص على الصف الأول والتكبيرة الأولى، فمن كان ضعيفًا في هذا فهو في غيره أضف وأعجز.
وهذا الذي ذكرته في المحافظة على الصلوات مطلقًا، لكن هناك صلوات تشتد الحاجة إلى المحافظة عليها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: [لو يعلمون ما في العَتَمة[4] والصبح لأتوهما ولو حبوًا] [5] .
ثم إنك ترى عددًا من الثقات يفرّط في أداء صلاة الفجر جماعةً في المسجد، فكيف يريد مثل هذا أن يقوم الليل ويكثر من التطوعات وحاله ما ذكرته؟!
(1) (العوائق) : 304 - 305 بتصرف.
(2) المصدر السابق: 307 - 309 بتصرف.
(3) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب الأذان: باب الاستهام في الأذان.
(4) أي صلاة العِشاء.
(5) المصدر السابق. والحديث في صحيح البخاري: كتاب الجماعة والإمامة: باب فضل التهجير إلى الظهر.