فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 50

ثم إنه في صلاة الفريضة قد يصلي بجانبك إنسان بينه وبين صلاتك كما بين المشرق والمغرب، وذلك لنه خاشع متدبر ولست أنت كذلك، فإن حاول المرء التدبر والتفكر فيما يقرأه، وإن قسر نفسه قسرًا على تعظيم الله والإقلال من الحركة الظاهرة والباطنة، فسيكون لصلاته أجر مخالف لما كانت عليه قبل الخشوع، نعم قد سقط عنه أداء الفريضة في الحالين لكن كم بينهما مِن الأجر العظيم؟

ب: المبادرة إلى عبادات هي في وسع كثير من الثقات:

هناك من يقرأ من الثقات أن الإمام مالك ظل يصلي الفجر بوضوء العشاء تسعًا وأربعين سنة [1] ، ومن يقرأ أن هناك من حج خمسين مرة أو أكثر [2] ، وأن عددًا من الصالحين كانوا يحيون ليلهم كله صلاة وعبادة وذِكرًا [3] ، وأن عددًا من الأئمة ختمواٍ القرآن في رمضان ستين مرة بل أكثر، وكانوا قد ختموا آلاف الختمات في حياتهم [4] ، فإذا قرأ هذا وأمثاله - وهو كثير مبثوث متواتر لا يمكن رده ولا التعكير عليه بوجه - يصيبه الإحباط، ويظل متحسرًا متفجعًا على حاله، وهذه الحسرة وذاك التفجع علامة خير لا شك، لكن ينبغي ألاّ يصل المرء إلى حد الإحباط؛ إذ هناك من العبادات العظيمة التي قد تماثل ما ذكرته آنفًا وهو مقصر فيها لا يلتفت إليها وهي في متناول يده، وأحب أن أشير إلى شيء من ذلك عسى ان يكون عونًا لمن يطلبه:

1 -صيام التطوع:

كان صيام التطوع في سالف الزمان من أصعب الأمور، والمحافظة عليه شاقة، لكن انظر إلى الصيام في عصرنا هذا تجده سهلًا ميسرًا، حيث توفرت وسائل تكييف الهواء فصارت السنة ربيعًا دائمًا - ولله الحمد والمنة - فلماذا لا يغتنم المرء عبادة الصيام، وهي أشرف العبادات؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم: [والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من اجلي، الصيام لي وأنا أجزي به] [5] .

وقال - صلى الله عليه وسلم: [ما من عبد يصوم يومًا في سبي الله تعالى إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا] [6] .

وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه:"إن كنا لنكون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر في اليوم الحار، ما في القوم أحد صائم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعبد الله بن رواحة" [7] .

وكانت عائشة تصوم الدهر [8] .

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد وصّى أبا أمامة بالصوم حيث قال له:"إنه لا مثل له"فكان أبو أمامة وامرأته وخادمه لا يُلفون إلا صيامًا" [9] ."

فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يديم الإنسان الصيام أو يقارب الدوام، خاصةً أن كثيرًا من الأعمال اليومية تقتضي من المرء أن يفطر ويتغدى خارج منزله فلا يعود إلا قُبيل الغروب، فلماذا لا يتابع الصيام إذن.

وهناك شرائح كبيرة من طلاب الثانويات والجامعات ممن لم يتزوج بعد، وليس عليهم التزامات اجتماعية أو مالية، فلِمَ لا يديمون الصيام، فهذا باب ميسور لأكثر الناس في هذا العصر وهُم عنه غافلون، وهو يقارب بل ربما يفوق ما يتحسرون عليه من قيام الليل وكثرة التطوعات، والله أعلم.

2 -الذِكر:

(1) (ترتيب المدارك) : 3/ 250.

(2) (نزهة الفضلاء) : 1/ 329، 3555، 359، 370، 393، 672.

(3) المصدر السابق: 1/ 176، 551، 591.

(4) المصدر السابق: 1/ 329، 414، 490، 652، 675، 684، 764، 895، 903.

(5) أحرجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب الصوم: باب فضل الصوم.

(6) أحرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الصيام: باب فضل الصيام في سبيل الله.

(7) (نزهة الفضلاء) : 1/ 41.

(8) المصدر السابق: 1/ 132، يعني ما عدا الأيام المحرم صومها.

(9) المصدر السابق: 1/ 281. والحديث في سنن النسائي: كتاب الصيام: باب فضل الصيام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت