فهرس الكتاب
وهي عبادة سهلة وفي الوقت نفسه عظيمة عظيمة، وأكثر الثقات غافل عنها، بل إن بعضهم - هداهم الله - يرمي من يديم الذِكر ويحرك به شفتيه بأنه صوفي ومبتدع، وهو في هذا مخطئ أشد الخطأ إذ يعيب على الذاكرين، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل حال، وقد قال الله تعالى {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [1] ، فهذه الثلاثة جُل أحوال المرء.
وكان أبو مسلم الخولاني [2] يرفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان ويقول:"اذكر الله حتى يرى الجاهل أنك مجنون" [3] .
وأجر الذكر عظيم، فقد قال - صلى الله عليه وسلم: [كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم] [4] .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: [سبق المفردون. قالوا: ما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات] [5] .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: [من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في كل يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكانت له مئة حسنة ومحيت عنه مئة سيئة وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه] [6] .
إذن الذكر عبادة ميسورة عظيمة الأجر، لكن يحتاج المرء أن يعتادها ويحرك بها لسانه وشفتيه حتى تكون ديدنه فيفوز بأجر عظيم ميسور.
كان داوود بن أبي هند [7] يحدث الفتيان فيقول لهم:"أخبركم لعل بعضكم أن ينتفع به: كنت وأنا غلام أختلف إلى السوق [8] فإذا انقلبت إلى البيت جعلت على نفسي أن أذكر الله إلى مكان كذا وكذا، فإذا بلغت إلى ذلك المكان جعلت على نفسي أن أذكر الله كذا وكذا حتى آتي المنزل" [9] .
وقص إنسان شارب معروف الكرخي [10] فلم يفتر من الذكر فقال: كيف أقص؟ قال:"أنت تعمل وأنا أعمل" [11] .
وقال حجام لأحد السلف: سكّن شفتيك. قال: قل للزمان حتى يسكن [12] .
ولو أدام المرء الذكر - وهو أمر ميسور، لكن يحتاج التعود كما ذكرت- لحصل على أجر عظيم، ولارتقى إيمانه وعلت روحه بما لا مزيد عليه، والله أعلم.
3 -الصدقة:
وهي عبادة ميسورة ولو أن يتصدق المرء بدراهم معدودة فإن الله يتقبلها منه - إن كانت من كسب طيب - وينميها له.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم: [من تصدق بعَدْل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يُربي أحدكم فَلُوّه حتى تكون مثل الجبل] [13] .
(1) سورة آل عمران: آية 191.
(2) عبد الله بن ثُوَب الدارنيّ الخولاني سيد التابعين وزاهد العصر، توفي بداريا في الشام سنة 62، وله أخبار جميلة انظرها في سير أعلام النبلاء): 4/ 7 - 14.
(3) (نزهة الفضلاء) : 1/ 319.
(4) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء.
(5) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب الحث على ذكر الله سبحانه وتعالى.
(6) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب الدعوات: باب فضل التهليل.
(7) الإمام الحافظ الثقة أبو محمد الخراساني ثم البصري، من موالي بني قُشير، توفي سنة 139، انظر أخباره في (سير أعلام النبلاء) : 6/ 376 - 379
(8) أي أتردد عليه.
(9) (نزهة الفضلاء) : 1/ 547.
(10) علم الزهاد، بركة العصر، أبو محفوظ البغدادي، توفي سنة 200، انظر أخباره في (سير أعلام النبلاء) : 9/ 339 - 345.
(11) (نزهة الفضلاء) : 2/ 714.
(12) المصدر السابق: 3/ 1283.
(13) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب الزكاة: باب لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا يقبل إلا من كسب طيب. والعدْل: المساوي، والفلو: المُهر، وهو الصغير من الخيل.