فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 50

هذا فيمن يتصدق بتمرة أو عَدلها فماذا يكون أجر من تصدق بصدقات عظيمة، أو ضحّى بأموال كثيرة بشكل دائم، لا شك أنه سيحصل على أجر عظيم قد يفوق أجور من يقوم الليل وهو يتحسر على حاله إزاءهم، والله أعلم.

وقد كان السلف ينفقون أموالهم أو جلها في سبيل الله، أفنبخل نحن بالتصدق بجزء عظيم من أموالنا، هذا ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يفرق في المجلس ثلاثين ألفًا، ثم يأتي عليه شهر ما يأكل مُزعة لحم [1] .

وقد بعث إليه معاوية - رضي الله عنه - بمئة ألف، فما حال عليه الحول وعنده شيء منها [2] .

وهذا أبو حفص النيسابوري [3] أرسل في يوم واحد بضعة عشر ألف دينار يفتك بها أسرى فلما أمسى لم يكن له عشاء [4] .

فهذه بعض الوسائل الميسورة بل هي في متناول يد كل ثقة، لكنه قد يغفل عنها، وهناك وسائل أخرى أعرضت عن ذكرها اختصارًا، وهي كذلك سهلة ميسورة، وذلك نحو ت

دبر القرآن، وقراءته بحزن أو تحازن، وعبادة التفكر في خلق الله وآلائه، وعبادة العزم على سد الثغرات التي يشكو منها المسلمون في الصناعة والزراعة والتقنية والاختراعات بعامّة، وهكذا ...

ثانيًا / العجز الثقافي:

يشكو أكثر الثقات من ضعف ثقافتهم وقلة معرفتهم، والعجب أنك تجد أحدهم يشتكي سنين متطاولة من ذلك الأمر ثم إنه لا يصنع شيئًا ذا بال لتقويم عجزه هذا وتجاوزه، وكان الثقات السابقون إذا لمسوا من أنفسهم ضعفًا أو عجزًا عن شيء سارعوا إلى إقالة عثراتهم وتجاوز عجزهم، فهذا خلف بن هشام البزّار [5] قد أشكل عليه باب من النحو فأنفق فيه ثمانين ألف درهم حتى مهر فيه [6] .

وهذا قد أشكل عليه باب من أبواب النحو فكيف بنا نحن وقد أشكلت علينا أبواب، وهذه الأبواب ليست من النحو بل هي - والله - من أبواب الدين؛ إذ كم من الثقات لا يستطيع قراءة القرآن ولو على وجه يصحح فيه الخطأ واللحن، وآخرون لا يستطيعون فهم أساسيات من الدين ولا يجتهدون لتعلمها، وآخرون لا يفرقون بين بعض فروض الأعيان وبين فروض الكفايات، بَلْهَ [7] أنهم يثقفون أنفسهم بالثقافة الإسلامية والإنسانية التي يحتاجونها لإقامة دعوتهم وإحسان خطابهم ومحاوراتهم.

وعوضًا عن أن يسارع هؤلاء الثقات ليسدوا الثغرة الواضحة في بنائهم الثقافي تجدهم يراوحون مكانهم عجزًا وتوانيًا سنوات طويلة كأنه لا شيء يعكر عليهم صفوهم، ولو لمسوا من أنفسهم تقصيرًا في حياتهم الدنيوية المادية لسارعوا إلى علاجه بوجه من الوجوه، والله المستعان.

ومن الوسائل العملية لعلاج العجز الثقافي ما يلي:

أولًا: حفظ القرآن العظيم:

إن حفظ القرآن العظيم ثراء لثقافة المرء في جوانب متعددة كثيرة، وهو الخطوة الأولى في سبيل الرقي بالثقافة والمعرفة.

(1) أي قطعة يسيرة من اللحم، (نزهة الفضلاء) : 1/ 257.

(2) المصدر السابق.

(3) الإمام القدوة الرباني الزاهد شيخ خراسان عمرو بن سِلْم النيسابوري، توفي سنة 264، انظر أخباره في (سير أعلام النبلاء) : 12/ 510 - 513.

(4) (نزهة الفضلاء) : 2/ 913.

(5) خلف بن هشام بن ثعلب، الإمام الحافظ الحجة، شيخ الإسلام، أبو محمد البغدادي البزار المقرئ، ولد سنة 150، وكان من أهل القرآن واللغة، إمامًا كبير الشأن، ورعًا، توفي سنة 229رحمه الله تعالى، انظر سيرته في (سير أعلام النبلاء) : 10/ 576 - 580.

(6) (نزهة الفضلاء) : 2/ 783.

(7) اسم فِعل أمر بمعنى دع أو اترك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت