فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 50

ويقول الإمام البنا - رحمه الله - واصفًا الجدية:"أستطيع أن أتصور المجاهد، شخص قد أعد عدته، وأخذ أهْبته، وملك عليه الفكر فيما هو فيه نواصي نفسه وجوانب قلبه، فهو دائم التفكير، عظيم الاهتمام، على قدم الاستعداد أبدًا، إن دعي أجاب، أو نودي لبّى، غدوه ورواحه وحديثه وكلامه وجده ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له" [1] .

وفي الوقت نفسه يصف عكس حال المجاهد الجاد فيقول:"الذي ينام ملء جفنيه، ويأكل ملء ماضغيه، ويضحك ملء شدقيه، ويقضي وقته لاهيًا لاعبًا عابثًا فهيهات أن يكون من الفائزين أو يكتب في عداد المجاهدين" [2] .

ولا يخفى أن وصف البنا لذلك الشخص الجاد إنما هو وصف عزيز قد لا ينطبق إلا على أفراد من الأمة قلائل، جعلنا الله منهم، وإنما كلامه مثال يُقترب منه ويبتعد بحسب التوفيق الإلهي.

ويخاطب الإمام المودودي - رحمه الله - الأمة حاثًا لها على الجد:"من لوازم المجاهدة في سبيل الله حماسة القلب وتعلقه بالغاية ... إن من الواجب أن تكون في قلوبكم نار متقدة تكون في ضرامها على الأقل مثل النار التي تتقد في قلب أحدكم عندما يجد ابنًا له مريضًا ولا تدعه حتى تجره إلى الطبيب، أو عندما لا يجد في بيته شيئًا يسد به رمق حياة أولاده فتقلقه وتضطره إلى بذل الجهد والسعي."

إنه من الواجب أن تكون في صدوركم عاطفة صادقة تشغلكم في كل حين من أحيانكم في سبيل غايتكم، تعمر قلوبكم بالطمأنينة وتكسب لعقولكم الإخلاص والتجرد، تستقطب عليها جهودكم وأفكاركم بحيث إن شؤونكم الشخصية وقضاياكم العائلية إذا استرعت اهتمامكم فلا تلتفتون إليها إلا مكرهين، وعليكم بالسعي ألا تنفقوا لمصالحكم وشؤونكم الشخصية إلا أقل ما يمكن من أوقاتكم وجهودكم، فتكون معظمها منصرفة لما اتخذتم لأنفسكم من الغاية في الحياة.

وهذه العاطفة ما لم تكن راسخة في أذهانكم، ملتحمة مع أرواحكم ودمائكم، آخذة عليكم ألبابكم وأفكارَكم فإنكم لا تقدرون أن تحركوا ساكنًا بمجرّد أقوالكم ..." [3] ."

وهذا كلام راقٍ شافٍ لا مزيد عليه، فإن لم يتحرك به وله العاجز من الثقات فبماذا ومتى يتحرّك؟!.

رابعًا / العجز النفسي:

وأعني به ما ذكرته آنفًا من مجموع الصفات القاعدة بالإنسان كاليأس والخمول والانقباض والعزوف عن الخلطة المفيدة ... إلخ.

وهذا العجز يحتاج إلى علاج متواصل حتى يُتجاوز، وتجاوزه صعب إلا لمن سهله الله تعالى عليه؛ وذلك لأن هذه الأمراض غدت طباعًا متأصلة في النفس ليس من السهل تجاوزها.

وأنا أدعو من يعاني من مثل ذلك أن يبتهل إلى الله تعالى في رفعه عنه، ثم يضع لنفسه خطةً محكمة - ربما بمساعدة أحد من برعوا في علم النفس - حتى يتجاوز عجزه أو يخفف منه.

وإليك هذه الكلمات التي قد تساعد على تجاوز هذا العجز:

"من شروط الفعالية حدوث شعور للإنسان أنه يملك شيئًا يمكن أن يقدمه للآخرين وهم في حاجةٍ إليه، فحدوث هذا الشعور عنده يكون سببًا لفعاليته ونشاطه، ويمكن أن يتضح ذلك إذا نظرنا إلى العكس وهو أن الإنسان إذا لم يكن عنده شيء يقدّمه للآخرين أو على الأقل يشعره بمساهمته معهم يصيبه الانطواء والخمول ..."

ويمكن أن يُلاحظ ذلك في أدق الأعمال وأيسره، كما يُلاحظ في الإنسان الذي يُحسن شيئًا يحتاج إليه الآخرون يشعره ذلك بقيمته ويجعله فعالًا في بيانه وتطبيقه ... فإذا ما تحقق الإنسان من أهمية جهده في صنع أحداث التاريخ وأدرك بجانب ذلك أنه يملك الشيء الذي يفتقده العالم للتغلب على مشاكله [انطلق

(1) (الفتور) : 40 - 41.

(2) المصدر السابق.

(3) (تذكرة دعاة الإسلام) : 40 - 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت