والجواب عن هذا: أن قولهم إن العامي لا يستفيد من الأدلة شيئا ولا يفهمها، قول مردود عليه بقوله تعالى (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) القمر، وقوله تعالى (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) محمد 24، ولعل أفضل من رد هذا القول هو الشنقيطي في تفسير هذه الآية من سورة محمد صلى الله عليه وسلم إذ قال إن هذا خطاب توبيخ للكفار لإعراضهم عن تدبر القرآن فكيف بعوام المسلمين؟، أفليس من الأولى أن يكونوا مطالبين بتدبر القرآن وفهم الأدلة؟ هذا مجمل كلامه في (أضواء البيان) جـ 7 صـ 430.
وذكر صالح الفُلاّني مثله في (ايقاظ همم أولي الأبصار) صـ 60 ــ 61، فقال إن الله تعالى وصف المشركين بأنهم (أولئك كالأنعام بل هم أضل) ومع هذا فقد أقام عليهم الحجة بكتابه الكريم فالاعتذار بأن العامة لايفهمون النصوص باطل قطعا. انتهى ماذكره ملخصًا.
فالحقيقة إن إعراض العلماء عن ذكر الأدلة للعامة وتفهيمهم إياها جعل العامة يعرضون عن طلبها، والذي يبعد فهمه عن العامة من الأدلة أقل بكثير مما يمكنهم فهمه. ثم إن الذين حَرّموا التقليد وأوجبوا الاتباع لم يشترطوا أن يعرف العامي دليل الفتوى على التفصيل ويفهمه كفهم المفتي له. وإنما اكتفوا بأن يقول العامي للمفتي. أهكذا أمر الله ورسوله؟ فإن قال له: نعم قبل قوله. وسيأتي هذا في كلام ابن حزم وابن دقيق العيد إن شاء الله.