الصفحة 104 من 289

والخلاصة: أن المؤثر عند أهل الحق وأهل الباطل ثلاثة أنواع: وبيان ذلك أن المؤثر إما يصح منه الترك وإما لا، فإن كان يصح منه الترك فهو المؤثر بالاختيار وهو الله سبحانه، وإن كان لا يصح منه الترك، فإما أن يتوقف تأثيره على وجود شرط وانتفاء مانع وإما لا، فإن كان يتوقف على وجود شرط وانتفاء مانع فهو المؤثر بالطبيعة في زعم الطبائعيين،، وإن كان لا يتوقف على وجود شرط وانتفاء مانع فهو المؤثر بالعلة في زعم الفلاسفة .

نماذج وأمثلة على أن المؤثر في الحقيقة هو الله -سبحانه وتعالى- وأنه -سبحانه- يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب ولو شاء انخرام السبب لانخرم:

المثال الأول: ما جاء في تاريخ القرآن أن نبي الله إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- ألقي في النار هو والحطب، والحطب صلب شديد قوي، وجسم إبراهيم لطيف لين، والنار لا عقل عندها تميز به بين إبراهيم والحطب، فأكلت الحطب بحرارة حتى جعلته رمادا، وفي نفس الوقت صارت بردا وسلاما على إبراهيم والطبيعة معنى واحد لا يتجزأ ولا ينقسم؛ لأن الطبيعة من المعاني الأفراد التي لا يمكن أن تتجرأ ولا تنقسم، فلو كانت الطبيعة هي المؤثرة لا ستحال أن تأكل الحطب حتى يصير رمادا وتترك إبراهيم بل المؤثر في الحقيقة هو الله -تعالى- فهو الذي جعل النار سببا في الإحراق، وجعل الأكل سببا في الشبع، وجعل الشرب سببا في الري.

بل لو شاء -سبحانه- لجعل السبب ضد مسببه، وجعله سببا في وجوده، ومثال ذلك لما أراد الله إحياء قتيل بني إسرائيل أمرهم أن يذبحوا بقرة، ويضربوا الميت بقطعة منها، فمن أين جاءت الحياة من قطعة ميتة من بقرة ميتة؟ فلو كانت البقرة حية لقالوا: إن الحياة جاءت منها، فمن أين جاءت الحياة من الضرب بقطعة ميتة؟ فهذا لا سبب فيه يعقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت