الصفحة 120 من 289

لكن ابن خزيمة لم يذهب إلى هذا ويؤيد هذا أن المتن قد روى من وجوه أخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ثوبان الذي تقدم ذكره وأما ما رواه الترمذي للأحاديث المتقدمة فالصواب أنها ثابتة كما عليه أئمة الحديث، وكذلك احتج به أحمد وقال: ( يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أتيت ربي ) فأنكر على من رد موجبها وقد ثبت - أي أحمد - حديث عكرمة عن ابن عباس وهو أشدها وذكر أن العلماء تلقته بالقبول، وقال حدث به فقد حدث به العلماء فأما قول أحمد في رواية الأثرم (مضطرب في إسناده، وأصل الحديث واحد وقد اضطربوا فيه ) فهذا كلام صحيح، فإنهم اضطربوا في إسناده بلا ريب، لكن لم يقل: إن هذا يوجب ضعف متنه، ولا قال: إن متنه غير ثابت، بل مثل هذا الاضطراب يوجد في أحاديث كثيرة وهي ثابتة وهذه الطرق مع ما فيها من الاضطراب - لمن يتدبر الحديث ويحسن معرفته - تدل دلالة واضحة على أن الحديث محفوظ صحيح الأصل لا ريب في ذلك، بل قد يوجب له القطع بذلك كما نبهنا عليه أولا.

وأما حديث أم الطفيل فإنكار أحمد له لكونه لم يعرف بعض رواته لا يمنع أن يكون عرفه بعد ذلك، ومع هذا فأمره بتحديثه به لكون معناه موافقًا لسائر الأحاديث كحديث معاذ وابن عباس وغيرهما، وهذا معنى قول الخلال: إنما يروى هذا الحديث، وإن كان في إسناده شيء تصحيحًا لغيره، ولأن الجهمية تنكر ألفاظه التي قد رويت في غيره ثابتة، فروى لبيان أن الذي أنكره تظاهرت به الأخبار واستفاضت، وكذلك قول أبي بكر عبد العزيز ( غلام الخلال ) فيه: ( وها نحن قائلون به، أي: لأجل ما يثبت من موافقته لغيره الذي هو ثابت، لا أنه يقال بالواهي من غير حجة فإن ضعف إسناد الحديث لا يمنع أن يكون متنه ومعناه حقًّا، ولا يمنع أيضا أن يكون له من الشواهد والمتابعات ما يبن صحته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت