فهرس الكتاب
هذا مارآه معلمه في واقعه المنظور .. ولكن الواقع الممكن الذي صار إليه"باستور"من صنع إرادته ،كان جادًا في طفولته شأنه في صباه وكان ذا نهم للإطلاع لا يشبع، كثير اليقظة والتساؤل في سبيل المعرفة لدرجة أن أحد معلمّيه عنّفه لكثرة أسئلته قائلًا له:"دعني ياهذا أقول لك مرّة أخرى بأن عمل التلميذ ينحصر بالإجابة عن الأسئلة لابإلقائها.."!!
بين الوالد والمعلم:
كان والد باستور"دباغًا"أراد لابنه أن يكون مثقفًا أوفده إلى ( باريس) بعد أن أنهى دراسته الإعدادية في ( أربوي) كي يتابع تحصيله في ( دار المعلمين) لكن المرض أقعده عن متابعة الدراسةهنا، وبعد أن تعافى أرسله والده إلى الكليةالملكية التي تخرج منهاعام 1840يحمل (_ليسانس) في الآداب وكان يدرس الرياضيات في الوقت ذاته وحصل بعد عامين على ( بكالوريس) في العلوم التي أولع بهاحدًا رغم عدم تفوقّه في الكيمياء التي صمم أن يكون ذا شأن فيها ،رغم نصيحة أصدقاء والده الذين قالوا": ..يسوؤنا أن يضيع وقت ابنك سدىً في علم لا طائل تحته ولا جدوى...". ولكن الوالد كان يثق بكفاءةابنه، ويثق بما لديه من استعداد وجلد الأمر الذي دعاه ليردَّ على ناصحيه من الأصدقاء بقوله:"أستطيع أن اعتمد على ابني في حسن اختياره ولا ريب عندي أنه لن يختار إلاّ الأصوب..".
وحين شعر الفتى أن ثقة الوالد تهتز لضعفه في الكيمياء كتب إليه يقول:"... عفوك اسأل ورضاك، أرجو منك أن تثق بي وأن تصبر علي سأكون عند حسن ظنّك بي كلّما ثابرت ألا بعض حلمك ياأبي .." (1) .
تابع"باستور"منهج الدكتوراه في الكيمياء ( بباريس) بنشاط وذهب يعطى بعض الدروس اليومية كي يكسب نفقاته الخاصة ويُتابع تعليمه وراح يقنن في طعامه وشرابه ووقوده حتى يوفر على ذويه وكثيرًا ما عضّه الجوع .. كتب عن هذه الفترة من حياته يقول:"... كان الجوع يشتد بي كان الصداع من الناحية الأخرى يلم بي على أعنف مايكون وهكذا كان الألم يمحو الآخر أو هكذا كان يخيل إليّ يُنسيني الصداع وطأة الجوع..".
كان لأستاذه في الكيمياء أثره البالغ في تقدّمه في هذا العلم . دفعه الإعجاب إلى أن يتحدث لوالده عن هذا الأستاذ بقوله:"..فهو استاذ موهوب حقًا، وهو ليس عالمًا فحسب، بل شاعر كذلك، يثير حب الاستطلاع في سامعه إلى أبعد حدود الإثارة،ويُلهب الخيال بلفظه الأنيق وبيانه المجنَّح" (2) .