فهرس الكتاب
بعد أن اكتشف حقيقة أصل الحياة، بدأ يفكر بقضية أخرى لعلّها أعظم أهمية من الأولى وهي: كيف يحفظ الحياة؟!شاع عنه ذلك لدرجة أن الناس،هرعوا إليه عندما هبط داءٌ خطير بدودة القز .. تذمروا عندما لم يجدوا الدواء المناسب بالسرعة المناسبة .. وكان يردُّ عليهم بالصبر أخذ الموت أحد أبنائه ،وما جفّت دمعته حتى اختطف الثاني، ثم تطاول على ولده الثالث فهمس في أذنه صديق حميم:"... أما أن تتابع عملك في مثل هذه الظروف القاسية فجرأة ما بعدها جرأة.."
أجابه باستور:"أجهل يا صاحبي مايتعلق بجرأتي كل الجهل، ولكن أعلم ما يتعلق بواجبي كلَّ العلم ..." (4) .
هذا العلم بالواجب جعله يلازم عمله رغم العواصف حوله بحيث كان يعمل ثماني عشرة ساعة كلَّ يوم..بعد تجارب تميزت بالصبر أعلن"باستور"أن مرض دودة القز موروث عن بيض موبوء ،ونادى بإبادة هذا البيض عند ذلك حاول تجار البيض الانتقام منه وأطلقوا الشائعات ضده وكان يجيب دائمًا بالصبر إلى أن تحّول الناس إلى الإيمان بما قال . أقام له سكان القرية التي اشيع أنه طُرد منهاتمثالًا تقديرًا له .. وعندما وصله علمُ ذلك قال معلقًا:" (( .. أنا لا أجد في الرخام مجدًا وشرفًا فإنما مجدي وشرفي في تخفيف أذى النكبة التي ألّمت ببلادي ولو على حساب التضحيّة بشخصي...".
وحين تعجب الكثيرون من أن عمله الدؤوب لم يعد عليه بغير العيش الشريف المتواضع ومنهم نابليون الثالث عندما التقى به قال باستور يرد عليهم:"يحط العالم من قدر نفسه إذا عمل في سبيل نفعه الشخصي .".
صار باستور شهيرًا إلى حد كانت فرنسا تهرع إليه عند كل وباء يؤثر في اقتصادها..
على أثر صفقة فاسدة خسرت بلاده معهاالملايين، اكتشف مبدأ التعقّيم ( البسترة الذي جاء نسبةً إلى اسم باستور ) والذي ينعم به العالم جميعه .. قضى بعملية التعقيم هذه على الطفيليات التي كانت تعيث فسادًا في طعامنا وشرابنا في عام 1867م نشر دراسته الشهيرة عن التخمير ،وطارت شهرته واعتبرته الأوساط العلمية (أعظم حجّة للكيمياء في عصره) .
توصل باستور نتيجة تجاربه إلى أهمية عملية التطهير أثناء العمل الجراحي،تطهير اليدين والضمادات والمشارط لأنها تحمل ملايين الجراثيم التي يحفل بهاالهواء ،وكانت النتائج باهرة منذ البداية حيث انخفضت نسبة الوفيّات في العمليات الجراحية خلال عامين من 90% إلى 15%