فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 132

تقدمت بثقة كأنني أعرف وجهي الحقيقي، وواجبي الوحيد أن أعمل هذا الوجه بأكثر ما أستطيع من صبرْ وحُبٍّ ومهارة،أن أعمله؟مامعنى ذلك؟..معناه أن أحوّله إلى لهب وإذا كان لدي الوقت قبل مجيء الموت، أن أحوّل هذا اللهب إلى ضوء، بحيث أن ملك الموت لن يجد - حين يأتي شيئًا فيَّ كي يأخذه إلاّ القليل من العظام..

"إن الأمر الذي ساعدني في الوصول إلىهذه الثقة أكثر من أي شيء آخر، هو أن أسلافي فيهم جميعًا آثار عربية،فهم فخورون وعنيدون، ومعتدلون في طعامهم، كانوا يخزنون حبّهم أو غضبهم سنوات عديدة في صدورهم دون أن ينبسوا بكلمة ثم بغتة ينفجرون ... والقائدة بالنسبة لهم ليست الحياة بل العاطفة، وقلبي يخفق فرحًاحينما أصادف نخلة تظنُّ أنّهاتعود إلىمسقط رأسها في القرية.."

إن هناك تعاقدًا غامضًا بين الأرض التي ولدنا عليها ،وبين أرْواحنا التي نمت فوقها، وتمامًا كما تُرسل الجذور أمرًا سرّيًا إلى الشجرة كي تزهر، وتحمل الثمار كي تبرر وجودها وتصل إلى الهدف من رحلتها..كذلك فإن أرض الأسلاف تفرض وصايا صعبة علىالأرواح التي ولدتها ويبدو أن الأرض والروح مصوغتان من المادة ذاتها وتقومان بالهجوم ذاته والروح هي التي تحقِّق الانتصار الأكمل..

(كان والدي شجرة سنديان بجذع صلب وأوراق خشنة وثمر مُرٍّ بلا أزهار وكانت كل شجرة تذبل في ظلّه وأنا الآخر كنتً أذبل في هذا الظل .. كنتُ أفكر في والدي فيجبُن قلبي ولهذا كنتُ مُجبرًا علىكتابة كلّ ما كنتُ أرغب في نقله بدلًا من أن أصبح مُكافحًا عظيمًا في مملكةالفعل- بسبب خوفي من والدي- لقد كان هو الذي حوّل دمي إلىحبر.. لقد سلكتُ طريقًا لم أختره بل هو الذي اختارني.."(1) ."

بدأت أكتب لكي أحول صرختي الداخلية وأمنع نفسي من الانفجار، كنتُ أتمنى أن أحول الكلمات إلى أفعال، ولكن العمل انحطّ إلى كلمات وتحوّل الدم إلى حبر وبدلًا من إشهار الرمح وشنّ الحرب فإنّني أمسك بريشة صغيرة وأكتب..

لقد كان لقائي بـ (زوربا) مُتأخرًا لقد سبق ذلك أن انحدرتُ إلى حامل قلم لا شفاء له..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت