فهرس الكتاب
كما التقى الجاحظ بـ ( روسو ) و"غوركي"من حيث اليتم والتشرد ومزاولة كل أنواع العمل حتى يعيش مُذ كان طفلًا .. التقى كذلك الأفذاذ الذين مجدوا العقل في تاريخ البشرية ... وفي تراثنا العربي التقى الجاحظ مع ابن سينا ( 980 - 1037 م ) في نقطة هي ( احترام العقل ) وجاء ذلك عندهما انطلاقًا من ( احترام الحياة ) .. إختلفا بعد ذلك في أن الجاحظ حاول أن يطبّب العقل و يحرّره فكان بذلك أول مَن دعا إلى اقتحام ( باب الإيمان ) بالعقل والفكر الحر، انطلاقًا من إيمانه بقيمة العقل والتجربة في تصحيح ما يصل إلينا ... بينما حاول تلميذه ابن سينا الاهتمام بمعالجة أمراض الجسم .
ولا نبتعدُ عن الحق إذا قُلنا إن الجاحظ من رواد الشك وإعمال العقل في تراثنا العربي الإسلامي، وفتح بذلك الباب لمن جاء بعده من أمثال الفارابي وابن سينا والمتنبي والمعري ..وغيرهم ...
والعقل عند الجاحظ هو"وكيل الله عند الإنسان"وقد سَمّي بهذا الاسم ( العقل ) لأنه يلزم الإنسان ويعصمه عن أن يمضي في سبيل الجهل والخطأ والمضرة كمايفعل البعير ..
تحرير الأسلوب:
لم يقف الجاحظ عند الدعوة لتحرير العقل، بل دعا من خلال ما كتب لتحرير الأسلوب من الجمود والصنعة السائدين قبله .. فقرّب النثر من الحياة وحملّه همومها، فأصبحت اللغة مع الجاحظ تحمل نبض الحياة والناس وتعيش قضاياهم .. وكشف الجاحظ عورة هؤلاء الذين كانوا يخفون أنفسهم وراء أقنعة اللغة العربية العويصة..
وكما حرّر الجاحظُ اللغة من قيود الصنعة التي رأها تعطل حرية الإبداع وتلقائيته .. كذلك رفع الجاحظ القيود عن أمور الحياة العادية وجعلها تدخلُ عالم الكلمة العنّية وهذا مالم يكن معروفًا قبله .
وصل الجاحظ إلى ذلك لأنه فكر بعقله هو لا بعقول سابقيه ونطق بلسان الناس حوله، ولم ينطق من خلال الموروث .. أبى أن يتكلم كالأقدمين علىالرغم أنه تتلمذ عليهم، فكان يقول للناس:"أنا أبو عثمان أناالجاحظ، ولستُ"قسًا"ولا"سحبان وائل"ولا"أكثم بن صيفي""