فهرس الكتاب
لقد أسهم الجاحظ في نقل ثقافة العرب من الشعر إلىالنثر تعبيرًا عن انتقالها من بداوةٍ يلائمها الشعر، إلىحضارة يلائمها النثر ، رغم إيمانه بأن ثقافة العرب أميل إلى الشعر"لأن العرب وجهوا قواهم إلى قول الشعر".. وعلى يد الجاحظ اندفع الأدب العربي صوب النثر الذي يمتلك إمكانات أكبر بما لا يُقاس في التعبير عن جوانب الحياة بشمولها، كما يملك التأثير الأوسع على جمهور عريض من القراء فيكون إسهامه أكبر في التطور الروحي للإنسان.
وحين نزل النثر إلى مسرح الحياة صار كلُّ شيء موضوعًا للأدب، وإذا كان ( ماركس ) قد أشار إلى أن الواقعية ارتسمت منذ القرن الثامن عشر مع اندفاع الأدب صوب النثر، فإن الجاحظ أسهم في إيجاد هذه الواقعية في الأدب العربي منذ القرن التاسع الميلادي وفعل تمامًا في الأدب العربي مثل الذي فعله ( بوشكين ) في الأدب الروسي في القرن الثامن عشر حين أبدع مانسميه الآن ( الأدب للشعب ) .. وكان الجاحظ في الأدب العربي القديم مثل ( برنارد شو ) في الأدب الانجليزي الحديث كان الجاحظ جادًا وهو يضحك مُتفلسفًا وهو يسخر، حيث عالج أخطر المشكلات بأسلوبه الساخر وخفة ظلّه المعروفة وتحتاج السخرية عند الجاحظ وقفة خاصة .
بقي الجاحظ فقيرًا رغم شهرته الواسعة فحين سُئل"هل لك ضيعة بالبصرة ؟!"أجاب ضيعتي معي، لا تحتاج إلى تجديد ولا تسميد ولعله يشير بذلك إلى أنّه لا يملك سوى علمه وكتبه وشوقه إلىالمعرفة، ولا عجب - مع هذا الواقع - أن نجد أن الجاحظ خير مَن تحدث عن الكتاب وقيمته في الحياة خاصةً في بداية كتابه الشهير ( الحيوان ) .
وإذا كان بعض المبدعين قد جاء إلى الحياة من الأدب، فإن الجاحظ قد جاء إلى الأدب من الحياة، كانت الحياة عنده أولًا وجاء الأدب ليعبر عن حقائق هذه الحياة، وجعل للأدب غايةً لا يفترق فيها الجانب الجمالي عن الجانب الاجتماعي فأسهم بأن جعل الثقافة للجماهير حين قصدها وتوّجه إليها فيمايكتب، وكان كما يقول الشاعر: ( بدر شاكر السياب) : أول أديب عربي نزل إلى السوق فصور لنا أحوال الشعب تصويرًا ينبض بالصدق والحياة بأسلوب حسبنا أن نقول فيه: أنه أسلوب الجاحظ، والذي كان بحق مدرسة في الأسلوب تخرج منها أدباء شباب وامتاز بأنه الأسلوب البسيط الذي يخفي تحته أفكارًا في تجدّدٍ دائم، أو تحفزُ علىالتجديد وفي كثير من النقاط يمكن مقارنةالجاحظ مع ( فولتير ) .