فهرس الكتاب
إن إباء الجاحظ واعتزازه بإبداعه قاداه إلى أن يكون أميرًا بين كتبه وأوراقه على أن يكون رئيسًا في ديوان الخليفة ( المأمون ) فحين أسند المأمون رئاسة الديوان للجاحظ قبله على كره منه ليتركه بعد أيام ثلاثة حين رأى في الديوان موظفين ( صقلت ثيابهم ) فقال كلمته المشهورة:"ظواهر نظيفة ومواطن سخيفة".
إن إيمان الجاحظ بالحرية، قاده إلىكثير من هذه المواقف التي كانت تعبيرًا بالسلوك العملي عن الحرية، وأما عن إيمانه بالعلاقة بين الإبداع والحرية، فقد قال في كتابه الحيوان"أقول شيئًا ليس يُخرجه مني إلاّ الشكر والحرية ..".
ويتحدث الجاحظ عن حرية الإرادة حين رأى أنّ الذين حول الخلفاء يسلبون الإنسان إرادته ليجعلوه كالريشة في مهب الريح .
كان إخلاص الجاحظ للثقافة أعظم من إخلاصه لأي شيء آخر، وجعله هذا الإخلاص محورًا للثقافة في عصره ولعله من أوائل الذين آمنوا بأثر الثقافة في المجتمع حين رأى أنّها تقوّم يد الإنسان ولسانه وأن يد الإنسان لا تكون إلاّ خرقاء ولا تصير صناعًا ما لم تكن المعرفة ثقافًا لها واللسان لايكون أبدًا ذاهبًا في طريق البيان متصرفًا في الألفاظ إلاّ بعد أن تكون المعرفة متخللة به واضعة له في مواضع حقوقه .."."
لم يتتلمذ الجاحظ على أستاذ بل كانت الحياة أستاذه الأكبر وكانت دكاكين الوراقين بما فيها من كتب مدرسته الواسعة .
ألف الجاحظ كتاب ( الحيوان ) وعمره اثنان وثمانون عامًا ولم ينقطع عن الكتابة والتأليف طوال حياته التي امتدت حوالي قرن . تروي الكتب أنه مات في عام 250 هـ بينما كان قد ولد عام 155 هـ وصار يعيش في كنف أمه - إذ توفي والده وهو صغير - في أسرة من سواد فقراء البصرة واندفع إلى العلم بطموح كبير إلى مستقبل يعوضه اليتم الذي أهاض جناحه .. أخذ يتردد علىحلقات العلم، يذهب إلى المربد يتلقىالفصاحة شفاهًا ويستمع ويناقش وأمدّه طموحه وفقره بالمثابرة و الصبر والقوة في التحصيل وكان بعد أن ينتهي من عمله اليومي في التعلم - علىطريقته الخاصة - يذهب ليعيش من كسب يده فيبيعُ الخبز"والسمك جانب نهر البصرة، وكانت والدته التي تعتني به قد ضايقها انصرافه إلى العلم والمعرفة أكثر من انصرافه إلى العمل وقد قدمت له في إحدى المرات حين طلب الطعام طبقًا عليه كراريس من الأوراق ؟ فقال: ما هذا ؟! قالت هذا الذي تجيء به ؟!"
الجاحظ والمرأة