فهرس الكتاب
من لوازم الإيمان بالعقل والحرية - كما عند الجاحظ - الإيمان بإنسانية المرأة بحيث لا يخلو تراث كاتب عظيم من رأيٍ في المرأة سلبًا كان أم إيجابًا ..
هذاالجاحظ البعيد عنَّا زمانا القريب منا فكرًا ووجدانًا يحدثناعن المرأة مناقشًا بعض معاصريه . وبالطبع لا يمكننا أن نفصل الشكل الذي اتخذه الحوار في هذا الأمر ولا مضمونه عن الزمان والمكان اللذين يدور فيهما.
طرح الجاحظ قضية المرأة في فترة من تطور المجتمع العربي القرن الثالث الهجري، ولم يكن من الممكن أن تطرح قبل الوصول إلى هذه الدرجة من التطور ...
وأعاد قاسم أمين 1865 - 1908 طرح القضية ذاتها وإن بأسلوب آخر ومضمون آخر أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين .
إن طرح الجاحظ لقضية المرأة كان فيه جرأة كاملة نسبة إلى مقاييس عصره السائدة، وكان حسب مانعْلم أول من طرح هذه القضية وحاول إنصاف المرأة في أدبه ولعله أول من دافع عن شرعية وجود الحب بين الناس .
ولعل الذي دفع الجاحظ كي يطرح هذه القضية - ماوصل إلى علمه - وهو المطلع على تراث العرب - من أخبار النساء العربيات اللواتي جابهن الرجال، بعد سلسلة طويلة من الاعتداء على الأنثى بدءًا من رفض وجودها ودفنها حية تجنيًا كماكان يحدث في الجاهلية، إلى رفض الاعتراف بوجودها المستقل لأنها كائن ناقص العقل والدين!!
كما قرأ الجاحظ - ولا شك - إن نساء عربيات مشهورات قد رثين الأخ أو الأب، ولم يسمع أن رجلًا رثى أختًا أو أمًّا أو زوجة - إذ كان رثاء جرير لزوجته استثناء في أدبنا العربي القديم .
لهذا كلّه علىما نرجح أخذ الجاحظ يتحدث عن المرأة حديثًا موضوعياَ واعتبر حديثه إنصافًا للمرأة في زمن عزّ الحديث فيه عن المرأة ويلمس القارئ شذرات الجاحظ عمقًا يحسب له بمقاييس عصر بحيث نظلمه إذا طبقنا عليه مقاييس عصرنا التي عمقها: علم النفس وعلم الاجتماع ،وتقدم العلوم الإنسانية والحضارة البشرية بشكل عام ..