فهرس الكتاب
نلمح أسس الجدلية عند ابن خلدون حين يتحدث عن أعمارالدول فيرى أن عمر الدولة يشبه عمر الشخص فهو ينتقل من سنّ التزيد الى سن الرجوع وهذه الحوادث طبيعية ولا شيء يمكنه منعها.
وحين يُبين أثر وسائل الإنتاج في النواحي الإنسانية في الأفراد يقول:"إن خلق الإنسان يرجع إلى العُرف والعادات لا إلى المناخ والمزاج وأن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم في المعاش (4) ."
في هذا النصّ نرى أن تكوين الانسان الاجتماعي لا يخلق معه بل تكوَّنه العادات الاجتماعية والعُرف القائم .. كما يقرر أن اختلاف أحوال الناس يعود إلى طريقتهم في الإنتاج.
وبذلك سبق ابن خلدون غيره حين ربط بين علم الاجتماع والاقتصاد في كتابه ( المبتدأ والخبر ) أثناء الحديث عن علم الاجتماع الذي سمَّاه بـ ( علم العمران ) معتمدًا أسس الشرح والتحليل وتعليل الحوادث مدركًا ارتباط علم الاجتماع بعلم الاقتصاد وذلك في القرن الرابع عشر في الوقت الذي أشار فيه بعض العلماء إلى هذه الحقيقة في القرن الثامن عشر، وقد أقام ابن خلدون في مقدمته وزنًا للضرورة الاقتصادية حين عبر عنها بأن المكسب والمعاش والصنائع دعامة من دعائم المجتمع، وحين عبر أن الظواهر الاجتماعية في العالم لا تسير حسب الأهواء والمصادفات ولا وفق إرادة الأفراد، بل وفق قوانين مطردة ثابتة لا تقل في ثباتها عن قوانين الظواهر الأخرى ... وانطلق يدرس هذه الظواهر في حال ثباتها أي في الحالة التي تكون عليها في زمان ومكان معينين ويدرسها في الوقت نفسه من حيث تطورها، والنواميس التي تخضع لها في هذاالتطور واستخدم في أبحاثه القواعد التالية: الملاحظة والتجربة ،التفسير والتحليل ، المقارنة والقياس - ودراسة الظواهر وعلم العمران ولقد استخدم ابن خلدون علم العمران بمعنى علم الاجتماع قال:"إن الكلام في هذا العلم مستحدث الصنّعة غزير الفائدة أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص (5) .. ولعمري لم أقف علىالكلام في منحاه لأحد من الخليقة ولعل من يأتي بعدنا يغوص في مسائله أكثر والمتأخرون يلحقون المسائل من بعده شيئًا فشيئًا إلى أن يكمل ... (6) "
ابن خلدون .. والتقدم:
يتجدد اهتمامنا بابن خلدون بقدر حاجتنا إلىالحرية بمعناها الاجتماعي الواسع، وبقدر حاجتنا إلىالتقدم .. لما في كتاباته من دفاع مجيد عن التقدم والحرية لأن الظلم عنده .."مؤذن بانقطاع النوع وهذا يؤدي إلى تخريب العمران" (7)