فهرس الكتاب
إن أحد الهموم التي تشغل بال المفكرين العرب التقدميين اليوم - أواخر القرن العشرين- هو رفض النظرية الاستشراقية التي نشأت في ظل الاستعمار والتي تحرم العرب أوتستكثر عليهم الإسهام ولو قليلًا بالحضارة الإنسانية ..وكأن بصيرة جبران تأبى إلاّ أن تُسهم في الردّ على هذه الافتراءات حين يؤكد أن الحضارة العربية جزء مهم وإسهام فعّال في الحضارة الإنسانية، وحين يؤكد أن الفكر العربي مكمّل للفكر اليوناني وهو في الوقت نفسه حلقة ذهبية ربطت بين فلسفات الشرق المثالية وفلسفات الغرب المادية ويرى أن (ابن سينا) يجمع في قصيدة واحدة عن ( النفس) ماقاله شكسبير، وتشلى، وغوته وغيرهم..
وإذاكانت بعض الكتب الهامة اليوم مثل كتاب"النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية"للدكتور حسين مروة"، تحاول إثبات أن الشرق ومنه الوطن العربي ليس متخلفًا بطبيعة تكوينه العقلي والنفسي وإنما يعود ذلك إلى ظروف اجتماعية اقتصادية لها اسبابهاالمختلفة ..فإن جبران قد قال ذلك منذ مطلع هذا القرن"ليس الشرقي أرقى من الغربي ولا الشرقي أحطّ من الغربي".. وإنما رُقي الإنسان وانحطاطه رهنٌ بالظروف الاجتماعية والاقتصادية حوله، وإذا كان العبد الذي يعلم حالة استعباده ويناضل ضدها هو إنسان ثوري كما يقول ( لينين ) فإن جبران غير بعيد عن هذا الثوري حين شعر أن أبالسة الخمول تقود مواطنيه وقيود العبودية تتمسك بأقدامهم .. فحاول أن يُضيء درب التمرد والثورة."
جبران .. الواقعي:
حين يقول جبران عن ( ابن سينا) - تلميذ أرسطو- إنه أدنى إلى مُعتقدي وأقرب إلىميولي، فإنه بذلك يحدد موقعه إلىجانب الفكر المرتبط بالواقع والذي يتعامل مع الواقع تعاملًا علميًا. وهذا - حسب ظنّي - هو ماقاد جبران إلى أن يرتضي الفقر قناعةً، ويتمرد عليه ظلمًا لأن الفقر والظلم ليسا قدرين من السماء.
كما كان علميًا واقعيًا عندما آمن بقدرة الإنسان علىالمواجهة مهما اشتدّ الظلام حوله، وعليه ألاّ يبقى في مواقفه السلبية مهما اشتدّ ضغط الظروف يقول:"كنا نشكو الدهر وصرنا نواجهه، كنا نخاف العواصف وصرنا نقصدها.. كنا نخضع للملوك والأصنام وصرنا لا نعبد إلاّ الحب، كنا فكرًا صامتًا وصرنا صوتًا...".
وحين ينهي كتابه"يسوع بن الإنسان"بصوت ( يوحنا) الذي امتزجت فيه المعرفة بالعزم.. ينهي هذا الكتاب بكلمة"إنه النضال لاغير"يكون جبران قد جدد لنا مُنذ بداية هذا القرن الطريق نحو التقدم الحقيقي .