فهرس الكتاب
هذا بعض مما قدّمه جبران الذي بقي حائرًا بين التصوير (الرسم) والكتابة إلى أن التقى في باريس المثال العظيم (رودان) في مرسمه وقد تحدث إلى جبران عن الفنان الشاعر ( وليم بليك) الذي أخذ الشعروسيلةً يُعبّر فيها عن رسومه ... وخرج جبران بعد هذا اللقاء والدنيا تتسع أمامه، يهتف:"لا تردّدَ بعد اليوم.."!.
وقد جعل من ( وليم بليك) قدوة له، وبدءًا من هذا اللقاء سوف يكتب ويرسم حتى صار جبران الذي نعرفه، جاء الدرس إلى من يحب العمل حتى العبادة .."أحب العمل .. ولا أدع دقيقة من وقتي تمر بلا عمل، إن الأيام التي تكون فيها نفسي راقدة وفكرتي خاملة، هي عندي أمرُّ من العلقم واشد قسوة من أنياب الذئاب..".
إن العمل عند جبران مقياس لإنسانية الإنسان ومن أجل العمل قدّس العزيمة الجبارة التي تقهرمصاعب الحياة لتصل إلىالهدف الذي يعيش من أجله .."، يقول:"أنا فرح بوجود المصاعب في حياتي لأني أريد أن أتغلّب عليها،إذ لولا المصاعب لماوجد الجهاد والعمل ولكانت الحياة باردة قفراء ممّلة .. وقد كتب ذات يوم إلى (مي زيادة) ،"أنابركان صغير، سُدّت فوهته، فلو تمكنت من كتابة شيء جميل أو كبير لشفيت تمامًا .. إن ما فعلته لاشيء..."
هذا ما يقوله جبران عن نفسه شأن الكبار الذين يصيرون كبارًا وهم يصنعون أنفسهم بالإرادة والعزم .. ولا يرضون عما قدّموه لأنهم دائمًا ينظرون إلى الأسمى والأرفع.
يمكن القول إن كتاب (النبي ) هو عصارة حياة (جبران خليل جبران) ، كما هو عصارة فكره إذ قد أعاد كتابته خمس مرات في خمس سنوات متواليات قبل أن يوضع في يد النشر كما تقول (بربارة نييبح) عن تاريخ الكتاب.
إن جبران كان من القلة النادرة التي تسبق زمانها ،لتأخذ علىعاتقهاكشف الحقيقة وتعريتها من كل زيف ،ولذلك يجوز لنا أن نقول: إن جبران كان أول العرب المعاصرين الذين اخترقوا بإبداعهم المحلية إلى نطاق عالمي رحب،حتى غدت شهرة جبران العالمية تفوق شهرته في وطنه العربي الكبير ..
و ( نبيُّ ) جبران مثال رائع في الحنين إلى الوطن، لأن محبة الذين حوله في بلاد الإغتراب -وتأثرهم به لم تخفف عنده عزم العودة إلى وطنه وكان لابد لهذه المحبة أن تبوح أمام عزم العودة إلى الوطن قائلة:"إن محبّتنا لا تقيدك وحاجتنا إليك لا تمسك بك، ولكنَّا نطلب إليك أن تعطينا من الحق الذي عندك لنعطيه لأولادنا، وأولادنا لأحفادهم...".