فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 132

المجتمع تحولت إلى قوة هائلة تمامًا مثل حبة القمح التي تفنى في الأرض لتعود سنابل فيها الحب الكثير .. وما أروع بصيرة جبران التي نفذت إلى المستقبل في الربع الأول من هذا القرن العشرين- فرأت الناس"يتحولون في المدن الكبيرة مع الأيام إلى فاقدي الإرادة ،إنهم يحترقون في أتون الحياة الضاري"، لأنه في المدينة تتباعد قلوب الناس رغم قصر المسافات بينهم ....""

وعندما يتحدث جبران عن اللذة أومايمكن أن نسميه السعادة يجدها في أن نعمل ونفتش ونتعب لأننا نجد في ذلك العمل اللذة المنشودة ،ونجد معها سبع شقيقات أحقرهن أوفر جمالًا من اللذة .. أي أن جبران يدعونا إلىالعمل والبحث لأنه يشبع فيناالشوق إلى السعادة والطموح إلى المعرفةكما يعلمناأن السعادة في الحياة قائمة على الأخذ والعطاء ...

ومن الحقول نتعلم أن لذة النحلة قائمة علىامتصاص العسل من الزهرة ولكن لذّة الزهرة أيضًا تكون بتقديم عسلها ... والنحلة تعتقد أن الزهرة ينبوع الحياة والزهرة تؤمن أن النحلة رسول المحبة، والزهرة والنحلة كلتاهما تعتقد أن الأخذ والعطاء حاجتان لابدّ منهما في الحياة وسعادة لا غنى للحياة عنهما ..

وهنا نلمس واقعية جبران التي كانت السبب في بقائه حيًّا نابضًا بالجديد، بينما أكل الزمن مُعْظم معاصريه، تلك الواقعية التي ترى أن الحياة عمل دائم نحو التقدم وأن السعادة فيها قائمة علىتبادل المنفعة فمثلما تحتاج الحياة للزهرة تحتاج كذلك للنّحلة، وأن عمل الإسكافي الذي يصنع الأحذية لا يقل شأنًا عن عمل الفنان الذي ينحتُ الرخام ليجعل منه النماذج الفنّية وأن الريح لا تخاطب السنديانه الجبارة بغير اللهجة التي تخاطب بها أقصر أعشاب الأرض .. هذه حكمة الطبيعة التي هي عند جبران المعلم الأكبر، وتجلت روعة جبران عندما تحدث عن الجمال على أنه شيء نسبي وليس شيئًا مُطلقًا فالجمال عند الحزين رقّة ولطف وعند الغضوب قوّة وبطش وعند الحارس بزوغ الفجر وعند العامل يطل من نوافذ الغروب وهو في ذلك يختلف عن ( نيتشه) الذي يريد في كتابه الآنف الذكر خلق الإنسان المتفوق جبارًا كشمشون وشاعرًا كداود.وحكيمًا كسليمان - الإنسان السوبرمان - فهو بذلك يكلّف الطبيعة ما لا طاقة لها عليه - كما قيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت