فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 132

وعندما يحدثنا جبران عن العطاء يلمس حقيقةً إنسانية رافقت البشر منذ بداية الحياة يسأل: أليس الخوف من الحاجة هو الحاجة بعينها؟ أليس الظمأ الشديد للماء عندما تكون البئر مليئة هو الظمأ الذي لا يرتوي؟... إنه يرى أن رغبة الكثيرين في الشهرة تضيع الفائدة من عطاياهم ؟ ومن الناس الذي يُعطي كما يُعطي الريحان عبيره في الوادي،وهؤلاء هم الذين يؤمنون بالحياة وسخاء الحياة، وهم الذين لاتفرغ صناديقهم وخزائنهم ملأى دائمًا ..

وإذا كنا لا بدّ أن نستخدم في المأكل والمشرب لبن الحيوانات ولحومها فليكن ذلك أكثر نقاوة ونبلًا في الأعماق، وكأنه في كتابه ( النبي) يسأل السؤال الذي طرحه (زوربا اليوناني) وهو يتحدث بعفوية:"قل لي ماذا تفعل بالطعام الذي تأكله أقل لك من أنت ؟"

ولا تختلف نظرة جبران إلى العمل عن نظرة أكثر أبناء الإنسانيةعطفًا عليها وذلك حين يرى أن الكسول غريب عن فصول الأرض وطبيعة الحياة، فالعمل يجعل الإنسان مزمارًا تنطلق منه موسيقى الحياة .. يقول:"العمل .. أقول لكم يفتح قلوبكم بالحقيقة - لمحّبة الحياة لأن من أحب الحياة بالعمل تفتح له الحياة أعماقها وتدنيه من أبعد اسرارها ولا شيء يغسل كآبة الحياة ويطهر النفس سوى السعي .. إن الحياة حالكة سوداء إذا لم ترافقهاالحركة، والحركة عمياء إذا لم ترافقهاالمعرفة والمعرفةعقيمة إذا لم يرافقها العمل وهذا يكون باطلًا إذا لم يقترن بالمحبة .. وحب العمل يعني أن تبني وكأنك أنت الذي سوف تسكن فيما تبني وكذلك حين تنسج، الحب هو أن تودع كل عمل من أعمالك نسمة من روحك وإذا خلا عملك من المحبة فإنه لا يُشبع سوى نصف مجاعة الإنسان".

وتتجلى واقعية جبران كذلك عندمايرى أن الفرح والحزن لازمان للحياة ،لزوم النور للشمس ،والعطر للورد وأنه لولا تغلغل وحش الحزن في قلوبنا لما تضاعف الفرح في أعماقها"لأن الكأس الي تحفظ خمرتكم هي نفس الكأس التي احترقت في أتون الخزّاف ..".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت