فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 132

يقول (مندور) ،"يخيل إلي أنني تعلمت من الكتب أكثر مما تعلمت من أشخاص و أنني استفدت من عدد من الموتى القدماء أكثر مما استفدت من الأحياء الذين عاصرتهم وتتلمذت عليهم ومع ذلك فقد أفادني هؤلاء الأساتذة الفائدة الكبرى بأن وجهني كلٌّ منهم إلىناحية من نواحي الثقافة ودّلني على منابعها ،ومكنني من تذوق ثمارها وكان أداة الوصل بيني وبين أولئك الكبار القدماء الذين اغترف من معينهم..".

أنا شديد الغيرة على كبريائي أرفض دائمًا أن تمسّ أو أن تفنى في كبرياء غيري، ومع ذلك فأنني اعتقد أن الدكتور طه حسين قد كان له أعظم الأثر في توجيهي وذلك لأنني كنتُ عندئذٍ لا أزال مترددًا ترددًا شديدًا بين وحي البيئة وهوى النفس واستعدادها فبيئتي كانت توحي إليّ بأن أدرس القانون لكي أتخرج وكيلًا للنائب العام يهرول أمامه، الخفراء وجند البوليس بل والعمدة نفسه.

بينما كان السباعي وهاشم ( مدرسا اللغة العربيةفي المرحلة الثانوية) غرسا في نفسي حب الأدب وتذوقه وجاء طه حسين فحل هذا الصراع الكامن في نفسي بأن أتاح لي الالتحاق بالكليتين معًا بعد أن أحسَّ باستعدادي الأدبي وعنادي الريفي.. وانّني أحمد اليوم هذا الاستعداد وهذا العناد الريفي معًا وذلك لأنه إذا كانت دراسة الأدب والتخصص فيه قد نمت استعدادي وصقلت ذوقي ووسعّت من ثقافتي الأدبية فأن دراسة القانون قد وقتني شرّ البوهيمية العقلية في الأدب ونقده وعودتني الدقة والوضوح والتنظيم والنظام العقلي فيما أعالج من شؤون الأدب والثقافة الأدبية...

ولم يقف تأثير طه حسين في حياتي عند هذا التوجيه الحاسم في مستهل تكويني الثقافي، بل ظل يُلاحقني تأثيرهُ سنين طويلة في اتجاهات ثلاثة بالغة الخطورة:

الاتجاه الأول: فقد كان نحو التحرر الفكري والثقة بالنفس وكان هذا أول وأهم درس أخلاقي تعلّمته من"طه حسين".

أما الدرس الثاني الذي تلقيته عن هذا الأستاذ الكبير فقد كان التوجيه نحو الآداب الأجنبية الكبيرة وبخاصة الأدبين اليوناني القديم، والفرنسي..

وما من شك أنه لولا توجيه طه حسين لما استطعت أن أكتب بعد عودتي عند بدء الحرب العالمية الثانية رسالتي عن النقد العربي القديم وتاريخه وهي الرسالة التي نشرتها بعدئذٍ بعنوان ( النقد المنهجي عند العرب) واعتبرها من أمهات كتبي.. بل لولا هذا التوجيه لما استطعت أن أؤدي الرسالة العامة التي أديتها في مجال النقد العربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت