فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 132

أما الملك ( فاروق) فحين استقبل طه حسين على مضض في أوائل الخمسينات قال له: أرجو أن تكون قد تخليت عن يساريتك بعد أن أصبحت وزيرًا !! أنا لا أريد منك يا دكتور طه الكلام الفارغ الذي تحدث به الناس وتكتبه في الجرائد!!. يقول طه حسين: لزمت الصمت.. وكان ردّي عليه بعد ذلك بيوم واحد أن أعلنت مجانية التعليم الابتدائي والثانوي،ولما أردت إعلان مجانية التعليم الجامعي رفض الملك وقال لرئيس وزرائه ( النحاس) إن طه حسين يريد أن يجعل البلد اشتراكية؟!.

طه حسين الذي استطاع أن يكون عصارة طيبة لمعهدين مختلفين: الأزهر والسوربون أو الحضارة العربيةالاسلامية والحضارة الغربية وامتدت حياته من أواخر القرن التاسع عشر عام 1889م حتى أوائل الربع الرابع من القرن العشرين 1973م.. لكن الحلقةالمشرقة في هذه الحياة امتدت لأكثر من ثلاثين عامًاكانت بين ثورتي 1919 و1952 وبعد هذا الاشراق وقف في أواخر عمره ضد تجديد طلابه الذين ربّاهم على قيم احترام العقل ،وتدريب الفكر وتنمية الشك في كل قديم حتى تثبت صحته، وذلك حين وصف الأدب الجديد بأنه"يوناني لا يقرأ"الأمر الذي قاده إلى صراع مع طلابه وقف فيه المجدد القديم طه حسين ضد التجديد وليس هذا غريبًا في كثير من الحالات ولعل الرجل على أهميته لم يرتفع إلىمستوى أعظم الممتازين الذين عناهم ( برناردشو) حين قال: إن جميع الممتازين بدؤوا حياتهم ثائرين وأعظم هؤلاء الممتازين يزدادون ثورة كلما تقدموا في السن"... ويمكن القول هنا: إن استمرار القدرة على التجديد حتى آخر العمر صفة لا يتمتع بها إلاّ القلة القليلة من بني البشر .. ولكن هل موقف طه حسين ضد التجديد في بداية الستينيات من هذا القرن يُلغي القيمة التاريخية له ؟ هذه القيمة التي نرى أنها سوف تظل ساريةً ،رغم موقفه هذا إذ من المؤكد أن الكثير من نواحي التجديد، ماكانت لتحدث في الوقت الذي حدثت فيه لولا وجود طه حسين هذا الرائد العظيم، حين عمّم التعليم ونشّط الترجمة ودعا للأخذ بالمناهج العلمية الحديثة في الدراسة ،وبذلك كان حلقةً مشرقةً في الدعوة للإيمان بقيمة العلم في حياةالشعوب، وتقديس حق الشعوب في الحرية،بحيث كان معلمًا للأجيال التي جاءت بعده."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت