فهرس الكتاب
ويا من أذنب في حق سيده ومولاه (وأنا مثلك) أقبل غير مدبر، وتقدم غير متردد، فهذه فرصتك في هذه العشر الأواخر التي تهتف بك وتناديك: إني إذا ذهبت فلن أعود، وأنت على من تعول في هذه الدنيا، وأهلها، وشأنها؟ هل تعول على عمرك الفاني أو على مالك ومنصبك، وقوتك وجاهك؟ كل ذلك راحل عنك، وأنت راحل عنه، وأنت والحالة هذه شمعة تحترق لتضيء للآخرين، إنك عامل من أجل غيرك فليس لك مما جمعت من حطام الدنيا إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، وتصدقت فأبقيت، وما عدا ذلك فليس لك، وإنما هو لغيرك، وأنت في هذه الحال لست سوى جامع لغيرك، فلك التعب، وعليك الحساب، ولغيرك الراحة، والفائدة.
لقد عول غيرك على الدنيا وأهلها، فدفعوا الثمن غاليًا في النهاية، لأن كل شيء في هذه الدنيا إلى فناء وزوال، وما رفع الله من أمر هذه الدنيا شيئًا إلا وضعه بمثل ما رفعه، وإذا صح ذلك وعلمته وأيقنت بحصوله فعوِّلْ على من بيده ملكوت كل شيء، ومن هو قادر على كل شيء، الذي إذا فزعت إليه أمنت من كل شيء، والذي إذا خفته خافك كل شيء، والذي يكفيك كل شيء، إنه ربك الكريم العفو الغفور الرحيم الجواد البر العظيم، والذي يتضاعف جوده، وعطاؤه لمن تاب إليه، وأناب، وهذه العشر الأواخر من هذا الشهر الكريم تطل بنفحاتها، وخيراتها تعلن قرب انتهاء موسم الخير والعطاء، فليكن لك نصيب من هذا الخير العميم، ولا تكن من المحرومين الذين حرموا أنفسهم خير ربهم وعطاءه.