فهرس الكتاب
ومن المعلوم أن الناس يختلفون في توديع رمضان، فأهل الطاعة لله تعالى يودعونه بحزن وحرقة على فراقه لأنهم لا يعرفون هل يدركون رمضان في عام قابل، أم أنهم سيكونون تحت التراب، ولسان حالهم يقول: لا أوحش الله منك يا شهر البر والذكر والخير والعطاء. وأهل المعاصي، والذين في قلوبهم مرض وفي إيمانهم خلل يودعون رمضان وهم فرحون بذلك لأنهم يرون فيه قيدًا ثقيلًا غلَّهم عن الشهوات الهابطة، وهؤلاء ليسوا من رمضان، ولا من أهله، فرمضان بفضائله، وقيمه، وآثاره العظيمة أكبر من هؤلاء وأمثالهم، فرمضان في ميزان أهله، ومحبيه سنة، لا شهر، وذخيرة لا نفقة، ومصحة لا ملهى، ورياضة لا متاع، تروض فيه نفوسهم على الخير لتمرن عليه، وتعالج به من الشر لتبرأ منه، وليس الغرض من علاج النفس والجسم فيه أن ينقضي أثره الطيب بانقضائه فإن ذلك يخالف حكمة الشارع من الصوم ويناقض منطق الأشياء في الواقع.
وما أبعد المسلم عن الإسلام إذا اعتقد أن الصلاة لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر إلا وهو في المسجد، وأن الصوم لا يعصمه من اللغو والأذى، والرفث إلا وهو في رمضان، وأن الصدقة لا تطهره ولا تزكيه إلا وهو في العيد.
إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل، فمن أحسن فيه فعليه بالتمام، ومن فرط فليختمه بالحسنى والعبرة بالختام، وليستودعه عملًا صالحًا يشهد له به عند الله تعالى.