فهرس الكتاب
قال صاحب تفسير المنار رحمه الله: «وإعداد الصيام نفوس الصائمين لتقوى الله تعالى يظهر من وجوه كثيرة أعظمها شأنًا وأنصعها برهانًا وأظهرها أثرًا وأعلاها شرفًا أنه أمر موكول إلى نفس الصائم لا رقيب عليه فيه إلا الله تعالى، وسر بين العبد وربه لا يشرف عليه أحد غيره سبحانه، فإذا ترك الإنسان شهواته ولذاته التي تعرض له في عامة الأوقات لمجرد الامتثال لأمر ربه والخضوع لإرشاد دينه مدة شهر كامل في السنة ملاحظًا عند عروض كل رغيبة له من أكل نفيس وشراب عذب وفاكهة يانعة، وغير ذلك كزينة زوجة أو جمالها الداعي إلى ملابستها أنه لولا اطلاع الله تعالى عليه ومراقبته له لما صبر عن تناولها وهو في أشد التوق لها، لا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله تعالى والحياء منه سبحانه أن يراه حيث نهاه، وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان بالله تعالى والاستغراق في تعظيمه وتقديسه أكبر معد للنفوس ومؤهل لها لضبط النفس ونزاهتها في الدنيا، ولسعادتها في الآخرة، كما تؤهل هذه المراقبة النفوس المتحلية بها لسعادة الآخرة تؤهلها لسعادة الدنيا أيضًا، انظر هل يُقْدِمُ من تلابس هذه المراقبة قلبه على غش الناس ومخادعتهم؟ هل يسهل عليه أن يراه الله آكلًا لأموالهم بالباطل؟ هل يحتال على أكل الربا؟ هل يقترف المنكرات جهارًا؟ هل يجترح السيئات، ويسدل بينه وبين الله ستارًا؟ كلا، إن صاحب هذه المراقبة لا يسترسل في المعاصي إذ لا يطول أمد غفلته عن الله تعالى، وإذا نسي وألَمَّ بشيء منها يكون سريع التذكر قريب الفيء بالتوبة الصحيحة { (( (( الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ (( (( (( (( (( (} [1]
(1) سورة الأعراف (201) ..