فهرس الكتاب
فيا أيها العاصي المذنب -وأنا مثلك- لا تقنط من رحمة الله لسوء أعمالك، فكم يعتق الله من النار في هذه الأيام من أمثالك وأمثالي، فأحسن الظن بمولاك وتب إليه فإنه لا يهلك على الله إلا هالك [1] . وجدد صلتك بربك الغفور الرحيم، واقتنص فرصة صيام هذا الشهر وقيامه لربك لتغفر ذنوبك وتخرج منها كيوم ولدتك أمك، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنوبه) [2] الحديث، فأين أنت من هذا العطاء الجزيل، والخير العميم، لا تكن أسير ذنوبك، ولا تدع الشيطان يقنطك من رحمة ربك، فربك وسعتْ رحمته كل شيء، وهو جل جلاله واسع المغفرة، وهو الذي يغفر الذنوب جميعًا، ألم تسمع إلى ربك الرحيم الكريم وهو ينادي عباده -وأنت واحد منهم- بنداء رقيق يحمل كل معاني الرأفة والإحسان بقوله عز من قائل: {(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ (( (( (( (( (( } [3] ، إنه ينادي كل من أذنب من عباده بأي نوع من أنواع الذنوب ولو كان شركًا، فالخلق كلهم عباده، إنه يدعوهم إلى الأوبة والتوبة إلى ساحة رحمته الواسعة، ليلجوا أبوابها فليس عليها بواب ولا حُجَّاب، إنها مفتوحة لهم في كل وقت حتى تطلع الشمس من مغربها، قال العلامة ابن كثير في تفسير الآية: «هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر» [4] .
(1) نفسه (2/ 351) .
(2) صحيح البخاري (1901) وصحيح مسلم (760) واللفظ له.
(3) سورة الزمر (53) .
(4) تفسير ابن كثير (7/ 106 - 107) .