فهرس الكتاب
1 -معالجة الحرمان بالفعل لتربية عاطفة الرحمة والإحسان في الإنسان، ويدل على ذلك ما رُوي في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له) [1] الحديث، فهذا الحديث يرشد إلى أن الحرمان في بعض جوانبه قد يولد العطف، والعطف يبعث على الإحسان، فما شعر بما يجده المحروم من ألم نفسي وبدني إلا من حُرِمَ مثله من لذاته ومشتهياته، وإذ ذاك ترق عاطفته، ويسخو بما لم يكن يسخو به من قبل هذا التمرين.
إنه قد يكتب الكُتَّاب، ويعظ الواعظون، في الحض على المواساة، والإحسان إلى الفقراء والمساكين، ولكنهم لن يبلغوا من النفس البشرية ما يبلغ منها صيام يوم واحد، وتجويعها على النحو الذي أمر به الشارع في شهر رمضان، وقد ذكرنا قصة ذلك الرجل الذي قاسى ألم العطش بعد أن اشتد عليه والذي سقى كلبًا رآه يعاني من شدة العطش، فشكر الله له صنيعه وغفر له مما جاء خبره على لسان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح، فلو لم يؤخذ هذا الرجل بتجربة العطش الشديد الذي حمله على سقي ذلك الكلب لما رق قلبه له، ولو رآه مندلعَ اللسان من العطش، فكذلك الذي عانى الصيام شهرًا في كل عام إذا رأى جائعًا أو عطشان أو محرومًا من ضرورية من ضروريات العيش على العموم فإنه سوف يساعده على دفع حرمانه، وذلك يدلنا على أن من مقاصد الصيام:
2 -ترويض النفس على القليل من مألوفاتها من الشهوات في
(1) صحيح البخاري (6009) وصحيح مسلم (2244) واللفظ للبخاري.