فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 119

المطعم، والمشرب فتكثير الشهوات مرتع الشياطين ومرعاهم، فما دامت مخصبة لم ينقطع ترددهم عليها، وما داموا يترددون لم تنكشف للعبد آفاق السمو القلبي في مدارج العبودية لله تعالى، وكان محجوبًا عن خير كثير، قال - صلى الله عليه وسلم: (لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات) [1] .

3 -والصوم يربي المسلم على الصبر فهو مدرسة الصبر، والصبر نصف الإيمان، والإنسان إذا غلب صبرُه باعثَ الهوى والشهوة التحق بالملائكة، وإن غلب باعثُ الهوى والشهوة صبرَه التحق بالشياطين، وإن غلب باعثُ طبعه من الأكل والشرب والجماع صبرَه التحق بالبهائم، وقد خلق الله سبحانه الملائكة عقولًا بلا شهوات، وخلق البهائم شهوات بلا عقول، وخلق الإنسان وجعل له عقلًا وشهوة، فمن غلب عقلُه شهوتَه فهو مع الملائكة، ومن غلبت شهوتُه عقلَه فهو كالبهائم [2] ، وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب.

4 -ومن مقاصد الصيام: تربية النفس بحبسها عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية لتتهيأ بذلك لطلب ما تسعد به في عاجلها وآجلها وتكون محلًا قابلًا للتزكية التي يحدثها الصيام في النفوس التي تهيأت لهذه التزكية، ولا يحصل لها ذلك إلا بحبسها عن شهواتها، وفطامها عن مألوفاتها بالصيام فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمتقين، وهو ذو أثر فعال وعجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة، وحمايتها من التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة من صحتها، فالصوم يحفظ على النفس، والقلب، والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات [3] .

(1) مسند أحمد (2/ 353) ومصنف ابن أبي شيبة (7/ 335) .

(2) يُنظر: إحياء علوم الدين (279) .

(3) إحياء علوم الدين (279) ويُنظر: زاد المعاد (1/ 154، 170) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت