فهرس الكتاب
ولا شك أن في تقليل الغذاء، وفي الصيام تضييقًا لمجرى الشيطان من الإنسان، والله تعالى يقول: { (( (( اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [1] أي تغيير ما ألفته من التوسع في المشتهيات المباحة وذلك بتضييق دائرة هذه المشتهيات، من المطعومات والمشروبات حتى تذوق ألم الجوع، فإذا أحست بألمه رقَّتْ، وتهذَّبَتْ، ورحمتْ، فتكون بذلك أقرب إلى فعل الخيرات، وتلقي الرحمات من الله تعالى، قال الغزالي رحمه الله: «ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء وكسر الهوى لتقوى النفس على التقوى ... فروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم، فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلًا فلم ينتفع بصومه» [2] .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المبحث العشرون: فضائل العشر الأواخر
ومن فضائل الصيام وجود العشر الأواخر في شهر الصيام، وتقع العشر الأواخر من أيام شهر رمضان موقع الرأس من الجسد، فأيام هذه العشر أيام شريفة، منيفة، كريمة لها شأنها، وشرفها، ومكانتها عند الله تعالى، وعند رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وعند الملائكة الكرام عليهم السلام، وعند المؤمنين، ومما يدل على ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخص هذه العشر بأعمال لا يعملها في بقية الشهر، روى مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) [3] ، وفي صحيح البخاري عنها رضي الله عنها قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيى ليله، وأيقظ أهله) [4] .
(1) سورة الرعد (11) .
(2) إحياء علوم الدين (278 - 279) .
(3) سبق تخريجه صفحة (40) .
(4) سبق تخريجه صفحة (40) .