وبما أنّا اخترنا أن يكون اهتمامنا بالأسباب الذاتية التي هيأت القابلية للإصابة، التي لحقت بالعقل المسلم، ولم نرتض منهج الإلقاء بالتبعة على العوامل الخارجية لإعفاء النفس من مسؤولية التقصير، والتستر على الأخطاء، وتكريس حالات العجز والغياب الحضاري، فإننا نرى أن القضية التي عبرنا عنها بالغياب الحضاري، ليست بسبب افتقاد القيم، أو فقر الميراث الثقافي، أو عجز وقصور التجربة الحضارية التاريخية، وإنما هي بسبب خمود الفاعلية، وانطفاء شعلة الإيمان، وضلال منهج الفهم، وعدم القدرة على التعامل مع القيم الثابتة، والإفادة من الميراث الثقافي، والتجربة الحضارية التاريخية، والتحقق بـ (الشهود التاريخي ) الذي يقود حكمًا إلى الشهود الحضاري لتنزيل الإسلام على واقع الناس، وإيجاد الأوعية الشرعية لحركة المجتمع، من خلال فقه الدين وبصارة الواقع (فقه التدين ) .
فالقرآن والسنة مصدرا القيم الثابتة للحياة الإسلامية، محفوظان بعهد الله ومواثيقه، وقد بذل المسلمون من الجهود في وسائل الحفظ ما لا يدع استزادة لمستزيد، حتى وصلنا النص القرآني، والبيان النبوي كما هو، وكأننا نعيش عصر النبوة، ونشهد نزول الوحي. ولعل من لوازم وشروط الرسالة الخاتمة: أن يكون الخطاب الإلهي والبيان النبوي سليمًا، وإلا لما صح تكليف، ولما ترتبت مسؤولية.
فالمشكلة إذن بالنسبة لمسلم اليوم ليست في نص الدين، أو في عدم وجود المنهج، وإنما المشكلة هي في عدم فقه الخطاب، وتأصيل منهج التعامل معه، وكيفية تنزيله على الواقع البشري، الأمر الذي يقتضي فقه الخطاب وفقه الواقع في آن واحد، كما أسلفنا في تقديم الجزء الأول. لأن الرؤية النصيفية بفهم الخطاب الإلهي دون فهم الواقع، وعدم حل المعادلة الغائبة، بين الخطاب الإلهي، والواقع البشري، سوف يبقي المسلمين في حالة الغياب الحضاري المؤرق.