والمبدأ الأساسي الذي بني عليه فقه الصياغة في هذه المرحلة، والذي كان سببًا رئيسًا في نجاحها في ترشيد التدين، هو مبدأ الواقعية. فقد ظل الفكر العقدي طيلة هذه المرحلة يصوغ العقيدة على ضوء الواقع، الذي يعيشه المسلمون، فيما يتعرّضون له من تحديات، دينية وفلسفية، وفيما ينجم بين أيديهم من مشاكل ذاتية، نتيجة النمو الحضاري المتسارع. فكلٌّ من هذه التحديات الواردة من أهل الفلسفات والأديان، وهذه المشاكل الناجمة في المجتمع الإسلامي، أحدثت فيه توترًا، على نحو أو على أخر، وهو توتر نشأ من المفارقة، بين إفرازات الثقافات الوافدة، والمشاكل الناجمة في الداخل، وبين مثالية المرجعية الشاملة، التي اتخذها المجتمع الإسلامي، وهي مرجعية الوحي، فنشأ الفكر العقدي يعالج ذلك التوتر في حياة المسلمين، ويهدف إلى توجيه الحياة بحسب ما يلائم مرجعية الوحي المثالية.
والمتتبع للفكر العقدي في هذا الطور يقف على خاصية الواقعية، فيما صاغه من مسائل العقيدة، على مستويات مختلفة، فيجدها في نشأة الصياغة وتطورها، كما يجدها في المواضيع العقدية نفسها، وفي المنهج الذي قدمت به، لأداء غرضها في علاج الوقائع.
أولًا- واقعية النشأة والتطور في صياغة العقيدة.
لقد ظلت أجيال القرن الأول من المسلمين، تتحمل العقيدة الإسلامية، بأثر من التربية النبوية، التي جعلتهم يستيقنون حقائقها، ويتصرفون بحسبها، بصفة تلقائية، دون حاجة إلى صياغتها في مرجع نظري، كعلم متميز. ولم تنشأ هذه الصياغة النظرية في صفة علم مستقل، إلاّ أوائل القرن الثاني، مع نشوء الفكر الاعتزالي، وإن كانت المطارحة العقلية، في مسائل ذات صبغة عقدية، مثل القدر والإيمان، قد ظهرت قبل ذلك ببعض العقود، ولكنها لم ترق إلى درجة التنظير المتميز.