الصفحة 136 من 233

ولما استفحلت الفلسفة اليونانية، في الساحة الإسلامية، في القرن الثالث، وانتشرت مقولاتها مختلطة فيها المسائل الميتافيزيقية بالمسائل الطبيعية، في تفاعل تناصري بينهما، طور الفكر العقدي من منهجه، فأدخل في دائرة اهتمامه المسائل الفلسفية والطبيعية، مثل قضايا"العلة والمعلول"و"الجوهر والعرض"و"الجوهر الفرد"وأمثالها، واستخدمها مقدمات، في الاستدلال على العقيدة الإسلامية، ورد الشبه الواردة عليها، وأصبح ذلك سنة ماضية في هذا الفكر ، بعد القرن الثالث.

إن هذه الصياغة الواقعية، للعقيدة في الموضوع والمنهج، كان لها دور مهم، في معالجة حادثات المشاكل الاجتماعية والثقافية، في المجتمع الإسلامي، كما كان لها دور مهم في رد الغزو العقدي والفلسفي، وهي بهذا وذاك حافظت على درجة عالية من التدين بالعقيدة، في زمن تعرضت فيه الأمة لعاديات قاطعة، من مشاكل النمو الحضاري الداخلية، وغازيات الأديان والفلسفات الخارجية.

ولكن هذه الصياغة لم تخل من عيوب، تمثلت بالأخص في جموح عقلي، في التنظير للعقيدة، صبغها بشيء غير قليل من الجفاف المنطقي الصارم، والحال أنها كما وردت في القرآن والحديث، كانت لينة سهلة، تخاطب مجامع الإنسان، من عقل وضمير وعاطفة، فتفعل أثرها فيه، على نحو شامل مؤثر. وقد كانت هذه العيوب سببًا في أحكام نقدية قاسية، من قبل كثيرين في القديم والحديث، إلا أن هذه الأحكام كانت في الغالب لا تنزل الصياغة المنتقدة في ظروفها التاريخية، وأسبابها الموضوعية، من واقع التحديات الداخلية والخارجية التي واجهتها، فكانت في كثير منها أحكامًا مسقطة من مواقع مثالية في التقدير.

[ ب ] صياغة العقيدة في مرحلة الضعف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت