الصفحة 137 من 233

إن الانحدار العام الذي أصاب الفكر الإسلامي بعد القرن الخامس، أصاب أيضًا الفكر العقدي في صياغته للعقيدة، فقد آل هذا الفكر إلى نزوع تجريدي في مباحث العقيدة، انشغل به عن مجريات الواقائع، المتعلقة بالأصول العقدية بصفة مباشرة أو غير مباشرة، وسقط في مجالات نظرية في المسائل القديمة. واحتجاجات تتعلق بتحديات ماضية، وميل إلى التأليف والترتيب للآراء والمقولات السابقة، في نسق منطقي مدرسي. حتى إنه ليمكن القول: إن الصلة كادت تفقد بين هذا الفكر، وبين واقع المسلمين، فيما يواجه تدينهم بالعقيدة من تحديات.

وكلما تقدم الزمن بعد القرن الخامس، كلما فقدت صياغة العقيدة من نجاعتها في ترقية التدين، أو المحافظة على ما كان عليه من قبل، بما تبتعد عن واقع المشكلات، فلم تعد توجه الحلول فيها توجيهًا عقديًّ، بما تُدرج فيه من إطار مرجعي، محكوم بأصول العقيدة. وبهذا الابتعاد عن واقع المشكلات، أصبح الفكر العقيدي تجريديًّا اجتراريًّا، يكتفي أو يكاد بالتعقيب على فوائت الآراء، في مناظرات غير منتجة، لما فيه معالجة لواقع التدين، وهو ما وصفه الإمام محمد عبده في قوله:"لم يعد بين الناظرين في كتب السابقين إلا تحاور في الألفاظ، أو تناظر في الأساليب. على أن ذلك في قليل من الكتب اختارها الضعف، وفضلها القصور". (10)

وإننا لنرى ابن خلدون قد جانب الصواب، لما توهم أن الفكر العقدي قد استنفد أغراضه، فلم تعد للأمة حاجة فيه: إذ العقيدة قد وقعت صياغتها بصفة دائمة، غير قابلة للتجديد، لانتهاء عوامل التجديد في عرض العقيدة، والاستدلال عليها. إنه على رأيه"الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا، والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم، فيما كتبوا ودونوا، والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا، وأما الآن فلم يبق منها إلا كلام تنزه الباري عن كثير من إيهاماته وإطلاقه". (11)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت