فهرس الكتاب
ويصدق هذا الأمر بصفة أخص على التشريع الإسلامي لخصوصيته الاجتماعية، فالتشريعات الإسلامية على اختلافها، لا يكون لها تطبيق مثمر، إذا ما كان المجتمع مصابًا بالتدابر والانفصال، فحينئذ لا يكون للعبادات وقعها الاجتماعي، ولا يكون للمعاملات وأحكام الجنايات نَفاقٌ بين الناس، لضعف الحس الاجتماعي الدافع إلى إجراء ما فيه قوام المجتمع، أو لتراخي السلطة التنفيذية عن الإيفاء بما هو من مهامها، من إجراء الأحكام. والمتأمل في تاريخ المجتمع الإسلامي، يجد أنه كلما تراخت الروابط الاجتماعية بالفتن الداخلية، أو بتوتر العلاقة بين الحكام والرعية، أو بغير ذلك من الأسباب، كلما تعثر إنجاز الشريعة في مختلف ميادين الحياة، إما تعطلًا عن الوقوع أصلًا، أو قصورًا عن أداء الغرض الاجتماعي المرجو منها، وقد بين ابن خلدون أن فشو الظلم مؤذن بخراب العمران، (8) والظلم هو مظهر من مظاهر الخلل في الروابط الاجتماعية، كما أن خراب العمران يكون بتعطل أحكام الشريعة، القاضية بالسعي في الأرض، لتوفير الخير وكسب المعاش.
وبناء على ما تقدم، فإنه يكون من الفقه، الذي ينبغي أن يقوم عليه إنجاز الأحكام الدينية، النظر بعين الاعتبار للمناخ الاجتماعي، في البيئة التي يراد إنجاز تلك الأحكام فيها: وعيًا بأن هذا المناخ الاجتماعي يتوقف عليه إلى حد كبير إنجاز الشريعة، بحسب ما يتوفر فيه من ترابط، أو ما يسوده من انحلال، ثم عملًا على تهيئة المجتمع بما يولّد فيه قابلية الإنجاز الناجح لأحكام الدين.