الصفحة 3 من 233

وقد لا يكون المجال هنا مجال مناقشة وموازنة، بين هدي الله وما يمنحه للإنسان من الحرية والعدالة والكرامة والمساواة؛ وألوان التدين الأخرى، لكن لا بد لنا من التأكيد أن الذين حاربوا هداية الله إنما حاربوها لأنها تسويهم بغيرهم من الخلق، وهم يريدون لأنفسهم أن يكونوا آلهة وأربابًا، لهم حق السيادة والأمر والنهي، وأن الصراع، والحوار، والمواجهة. . إنما هو في الحقيقة صراع بين ألوان من التدين، أو من الدين - إن صح التعبير - .

هذا النزوع المفطور في الإنسان، هو الذي يشكل القابلية والتهيؤ لاستقبال الهدي الإلهي، وبقدر ما يكون جهاز التوصيل سليمًا ، والإرسال صحيحًا، ويكون المرسل بصيرًا وفقيهًا بأساليب الخطاب، وأحوال المخاطبين، وكيفية إثارة كوامن هذا النزوع بالاتجاه الصحيح، بقدر ما يكون الكسب الديني متعاظمًا وممتدًا، وبقدر ما تصاب أجهزة الدعوة إلى الدين، بقدر ما يكون التأثير محدودًا، فالعلّة ليست دائمًا في المخاطَب، فقد تكون العلّة كلها في المخاطب الذي يريد توصيل الدين إلى الآخرين.

لذلك نرى أكثر الفترات تألقًا وامتدادًا فترة النبوة والصحبة، والمراحل التاريخية التي استطاعت استصحاب روح تلك الفترة. لقد استطاعت تلك المراحل التاريخية إثارة كوامن التدين، وأحسنت في إيصال الإسلام إلى الناس، وتقويم واقعهم بهديه، فالقرآن هو القرآن كما أنزل، والسنة بيانه، محفوظان بحفظ الله الذي أثمر جهود العلماء، أوعية الحفظ وأدواته، لكن المشكلة اليوم ليست فقط في إتقان وإدراك الخطاب الديني المحفوظ، أي ليست في معرفة نصوص الدين، وإنما بإصابة أجهزة الدعوة بالعطب، ولا نعني بأجهزة الدعوة الوعظ والإرشاد، بقدر ما نعني امتلاك القدرة على فقه الإنسان، وفقه المجتمعات، والتبصر بكيفية خطابها، وطرائق بسط الدين على حياتها لتستقيم بنهجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت